تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
تعالى :
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
[ الشورى : 51 ] . أمّا كلام اللّه الوارد للرسول بواسطة الملك وهو المعبّر عنه بالقرآن وبالتّوراة والإنجيل وبالزّبور : فتلك ألفاظ وحروف وأصوات يعلّمها اللّه للملك بكيفية لا نعلمها ، يعلم بها الملك أنّ اللّه يدلّ ، بالألفاظ المخصوصة الملقاة للملك ، على مدلولات تلك الألفاظ فيلقيها الملك على الرسول كما هي قال تعالى :
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
[ الشورى : 51 ] وقال :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
[ الشعراء : 193 - 195 ] . وهذا لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في الدّين . ولكن أمسك بعض أئمّة الإسلام عن التصريح بحدوثه ، أو بكونه مخلوقا ، في مجالس المناظرة التي غشيتها العامّة ، أو ظلمة المكابرة ، والتحفّز إلى النبز والأذى : دفعا للإيهام ، وإبقاء على النسبة إلى الإسلام ، وتنصّلا من غوغاء الطعام ، فرحم اللّه نفوسا فتنت ، وأجسادا أوجعت ، وأفواها سكتت ، والخير أرادوا ، سواء اقتصدوا أم زادوا . واللّه حسيب الذين ألّبوا عليهم وجمعوا ، وأغروا بهم وبئس ما صنعوا . وقوله
تَكْلِيماً
مصدر للتوكيد . والتوكيد بالمصدر يرجع إلى تأكيد النسبة وتحقيقها مثل ( قد ) و ( إنّ ) ، ولا يقصد به رفع احتمال المجاز ، ولذلك أكّدت العرب بالمصدر أفعالا لم تستعمل إلّا مجازا كقوله تعالى :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
فإنّه أراد أنّه يطهّرهم الطهارة المعنوية ، أي الكمال النفسي ، فلم يفد التأكيد رفع المجاز . وقالت هند بنت النعمان بن بشير تذمّ زوجها روح بن زنباع :
بكى الخزّ من روح وأنكر جلده * وعجّت عجيجا من جذام المطارف
وليس العجيج إلّا مجازا ، فالمصدر يؤكّد ، أي يحقّق حصول الفعل الموكّد على ما هو عليه من المعنى قبل التّأكيد . فمعنى قوله :
تَكْلِيماً
هنا : أنّ موسى سمع كلاما من عند اللّه ، بحيث لا يحتمل أنّ اللّه أرسل إليه جبريل بكلام ، أو أوحى إليه في نفسه . وأمّا كيفية صدور هذا الكلام عن جانب اللّه فغرض آخر هو مجال للنظر بين الفرق ، ولذلك فاحتجاج كثير من الأشاعرة بهذه الآية على كون الكلام الّذي سمعه موسى الصفة الذاتية القائمة باللّه تعالى احتجاج ضعيف . وقد حكى ابن عرفة أنّ المازري قال في « شرح التلقين » : إنّ هذه الآية حجّة على المعتزلة في قولهم : إنّ اللّه لم يكلّم موسى مباشرة بل بواسطة خلق الكلام لأنّه أكّده بالمصدر ، وأنّ ابن عبد السلام التّونسي ، شيخ ابن عرفة ، ردّه بأنّ التأكيد بالمصدر لإزالة