تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وقال قوم هو المجاز وجزم ابن الحاجب مراد الباقلاني من قوله في كتاب « التقريب والإرشاد » إن المشترك لا يحمل على أكثر من معنى إلا بقرينة ، ففهم ابن الحاجب أن القرينة من علامات المجاز وهذا لا يستقيم لأن القرينة التي هي من علامات المجاز هي القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي وهي لا تتصور في موضوعنا ؛ إذ معاني المشترك كلها من قبيل الحقيقة وإلا لاقتضت حقيقة المشترك فارتفع الموضوع من أصله . وإنما سها أصحاب هذا الرأي عن الفرق بين قرينة إطلاق اللفظ على معناه المجازي وقرينة إطلاق المشترك على عدة من معانيه ، فإن قرينة المجاز مانعة من إرادة المعنى الحقيقي وقرينة المشترك معينة للمعاني المرادة كلا أو بعضا . وثمة قول آخر لا ينبغي الالتفات إليه وإنما نذكره استيعابا لآراء الناظرين في هذه المسألة ، وهو صحة إطلاق المشترك على معانيه في النفي وعدم صحة ذلك في الإيجاب ، ونسب هذا القول إلى برهان ، عليّ المرغيناني الفقيه الحنفي صاحب كتاب « الهداية » في الفقه ، ومثاره - في ما أحسب - اشتباه دلالة اللفظ المشترك على معانيه بدلالة النكرة الكلية على أفرادها حيث تفيد العموم إذا وقعت في سياق النفي ولا تفيده في سياق الإثبات . والذي يجب اعتماده أن يحمل المشترك في القرآن على ما يحتمله من المعاني ، سواء في ذلك اللفظ المفرد المشترك ، والتركيب المشترك بين مختلف الاستعمالات ، سواء كانت المعاني حقيقية أو مجازية ، محضة أو مختلفة . مثال استعمال اللفظ المفرد في حقيقته ومجازه قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ
[ الحج : 18 ] فالسجود له معنى حقيقي وهو وضع الجبهة على الأرض ومعنى مجازي وهو التعظيم ، وقد استعمل فعل
يَسْجُدُ
هنا في معنييه المذكورين لا محالة . وقوله تعالى :
وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ
[ الممتحنة : 2 ] فبسط الأيدي حقيقة في مدّها للضرب والسلب ، وبسط الألسنة مجاز في عدم إمساكها عن القول البذيء ، وقد استعمل هنا في كلا معنييه . ومثال استعمال المركّب المشترك في معنييه قوله تعالى :
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
[ المطففين : 1 ] فمركب ويل له يستعمل خبرا ويستعمل دعاء ، وقد حمله المفسرون هنا على كلا المعنيين . وعلى هذا القانون يكون طريق الجمع بين المعاني التي يذكرها المفسرون ، أو ترجيح بعضها على بعض ، وقد كان المفسرون غافلين عن تأصيل هذا الأصل فلذلك كان الذي يرجّح معنى من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن ، يجعل غير ذلك المعنى
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 97 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور