تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
إيفاء بما عسى أن يكون مراد المتكلم ، فالحمل على الجميع نظير ما قاله أهل الأصول في حمل المشترك على معانيه احتياطا . وقد يكون ثاني المعنيين متولدا من المعنى الأول ، وهذا لا شبهة في الحمل عليه لأنه من مستتبعات التراكيب ، مثل الكناية والتعريض والتهكم مع معانيها الصريحة ، ومن هذا القبيل ما في « صحيح البخاري » عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأنّ بعضهم وجد في نفسه فقال : لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ، فقال عمر : إنه من حيث علمتم فدعاه ذات يوم فأدخله معهم قال : فما رئيت أنه دعاني إلا ليريهم ، قال : ما تقولون في قول اللّه تعالى :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
[ النصر : 1 ] فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد اللّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ، فقال لي : أكذلك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا ، فقال : فما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول اللّه أعلمه له ، قال
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وذلك علامة أجلك
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
[ النصر : 3 ] فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تقول . وإنّك لتمرّ بالآية الواحدة فتتأمّلها وتتدبّرها فتنهال عليك معان كثيرة يسمح بها التركيب على اختلاف الاعتبارات في أساليب الاستعمال العربي ، وقد تتكاثر عليك فلا تلك من كثرتها في حصر ولا تجعل الحمل على بعضها منافيا للحمل على البعض الآخر إن كان التركيب سمحا بذلك . فمختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن وتراكيبه وإعرابه ودلالته ، من اشتراك وحقيقة ومجاز ، وصريح وكناية ، وبديع ، ووصل ، ووقف ، إذا لم تفض إلى خلاف المقصود من السياق ، يجب حمل الكلام على جميعها كالوصل والوقف في قوله تعالى :
لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] إذا وقف على
لا رَيْبَ
أو على
فِيهِ
. وقوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
[ آل عمران : 146 ] باختلاف المعنى إذا وقف على قوله
قاتَلَ
، أو على قوله معه
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
. وكقوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ
[ آل عمران : 7 ] باختلاف المعنى عند الوقف على اسم الجلالة أو على قوله
فِي الْعِلْمِ
، وكقوله تعالى :
قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ
[ مريم : 46 ] باختلاف ارتباط النداء من قوله :
يا إِبْراهِيمُ
بالتوبيخ بقوله :
أَ راغِبٌ أَنْتَ
، أو بالوعيد في قوله :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ
. وقد أراد اللّه تعالى أن يكون القرآن كتابا مخاطبا به كل الأمم في جميع العصور ، لذلك جعله بلغة هي أفصح كلام بين لغات البشر وهي اللغة العربية ، لأسباب يلوح لي
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 95 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور