تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
منها ، أنّ تلك اللغة أوفر اللغات مادة ، وأقلها حروفا ، وأفصحها لهجة ، وأكثرها تصرفا في الدلالة على أغراض المتكلم ، وأوفرها ألفاظا ، وجعله جامعا لأكثر ما يمكن أن تتحمله اللغة العربية في نظم تراكيبها من المعاني ، في أقلّ ما يسمح به نظم تلك اللغة ، فكان قوام أساليبه جاريا على أسلوب الإيجاز ؛ فلذلك كثر فيه ما لم يكثر مثله في كلام بلغاء العرب . ومن أدق ذلك وأجدره بأن ننبه عليه في هذه المقدمة استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه دفعة . واستعمال اللفظ في معناه الحقيقي ومعناه المجازي معا . بله إرادة المعاني المكنّى عنها مع المعاني المصرح بها ، وإرادة المعاني المستتبعات ( بفتح الباء ) من التراكيب المستتبعة ( بكسر الباء ) . وهذا الأخير قد نبه عليه علماء العربية الذين اشتغلوا بعلم المعاني والبيان . وبقي المبحثان الأولان وهما استعمال المشترك في معنييه أو معانيه ، واستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، محلّ تردد بين المتصدين لاستخراج معاني القرآن تفسيرا وتشريعا ، سببه أنه غير وارد في كلام العرب قبل القرآن أو واقع بندرة ، فلقد تجد بعض العلماء يدفع محملا من محامل بعض آيات بأنه محمل يفضي إلى استعمال المشترك في معنييه أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، ويعدون ذلك خطبا عظيما . من أجل ذلك اختلف علماء العربية وعلماء أصول الفقه في جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى من مدلوله اختلافا ينبئ عن ترددهم في صحة حمل ألفاظ القرآن على هذا الاستعمال . وقد أشار كلام بعض الأئمة إلى أن مثار اختلافهم هو عدم العهد بمثله عند العرب قبل نزول القرآن ، إذ قال الغزالي وأبو الحسين البصري « 1 » يصح أن يراد بالمشترك عدة معان لكن بإرادة المتكلم وليس بدلالة اللغة . وظني بهما أنهما يريدان تصيير تلك الإرادة إلى أنها دلالة من مستتبعات التراكيب لأنها دلالة عقلية لا تحتاج إلى علاقة وقرينة ، كدلالة المجاز والاستعارة . والحق أن المشترك يصح إطلاقه على عدة من معانيه جميعا أو بعضا إطلاقا لغويا ، فقال قوم هو من قبيل الحقيقة ونسب إلى الشافعي وأبي بكر الباقلاني وجمهور المعتزلة .
هامش
( 1 ) محمد بن علي البصري الشافعي المعتزلي المتوفى سنة 439 ه له كتاب « المعتمد في أصول الفقه » .