تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
ومن ذلك أن عمر لما فتحت العراق وسأله جيش الفتح قسمة أرض السواد بينهم قال : « إن قسمتها بينكم لم يجد المسلمون الذين يأتون بعدكم من البلاد المفتوحة مثل ما وجدتم فأرى أن أجعلها خراجا على أهل الأرض يقسم على المسلمين كلّ موسم فإن اللّه يقول :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ
[ الحشر : 10 ] وهذه الآية نزلت في فيء قريظة والنضير ، والمراد بالذين جاءوا من بعد المذكورين هم المسلمون الذين أسلموا بعد الفتح المذكور . وكذلك استنباط عمر ابتداء التاريخ بيوم الهجرة ، من قوله تعالى :
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
[ التوبة : 108 ] فإن المعنى الأصلي أنه أسّس من أول أيام تأسيسه ، واللفظ صالح لأن يحمل على أنه أسس من أول يوم من الأيام أي أحق الأيام أن يكون أول أيام الإسلام فتكون الأولية نسبية . وقد استدل فقهاؤنا على مشروعية الجعالة ومشروعية الكفالة في الإسلام بقوله تعالى في قصة يوسف :
وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ
[ يوسف : 72 ] كما تقدم في المقدمة الثالثة ، مع أنه حكاية قصة مضت في أمة خلت ليست في سياق تقرير ولا إنكار ، ولا هي من شريعة سماوية ، إلا أن القرآن ذكرها ولم يعقبها بإنكار . ومن هذا القبيل استدلال الشافعي على حجّيّة الإجماع وتحريم خرقه بقوله تعالى :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
[ النساء : 115 ] مع أن سياق الآية في أحوال المشركين ، فالمراد من الآية مشاقة خاصة واتّباع غير سبيل خاصّ ولكن الشافعي جعل حجية الإجماع من كمال الآية . وإن القراءات المتواترة إذا اختلفت في قراءة ألفاظ القرآن اختلافا يفضي إلى اختلاف المعاني لممّا يرجع إلى هذا الأصل . ثم إن معاني التركيب المحتمل معنيين فصاعدا قد يكون بينهما العموم والخصوص فهذا النوع لا تردد في حمل التركيب على جميع ما يحتمله ، ما لم يكن عن بعض تلك المحامل صارف لفظي أو معنوي ، مثل حمل الجهاد في قوله تعالى :
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
في سورة العنكبوت [ 6 ] على معنيي مجاهدة النفس في إقامة شرائع الإسلام ، ومقاتلة الأعداء في الذب عن حوزة الإسلام . وقد يكون بينها التغاير ، بحيث يكون تعيين التركيب للبعض منافيا لتعيينه للآخر بحسب إرادة المتكلم عرفا ، ولكن صلوحية التركيب لها على البدليّة مع عدم ما يعيّن إرادة أحدها تحمل السامع على الأخذ بالجميع
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 94 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور