تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
[ المائدة : 44 ] فإذا ظن أحد أن من للشرط أشكل عليه كيف يكون الجور في الحكم كفرا ، ثم إذا علم أن سبب النزول هم النصارى علم أن من موصولة وعلم أن الذين تركوا الحكم بالإنجيل لا يتعجب منهم أن يكفروا بمحمد . وكذلك حديث عبد اللّه بن مسعود قال لما نزل قوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
[ الأنعام : 82 ] شق ذلك على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم ( ظنوا أن الظلم هو المعصية ) . فقال رسول اللّه : إنه ليس بذلك ؟ ألا تسمع لقول لقمان لابنه :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] . ومن هذا القسم ما لا يبين مجملا ولا يؤول متشابها ولكنه يبين وجه تناسب الآي بعضها مع بعض كما في قوله تعالى : في سورة النساء [ 3 ]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
الآية ، فقد تخفى الملازمة بين الشرط وجزائه فيبينها ما في « الصحيح » عن عائشة أن عروة بن الزبير سألها عنها فقالت : « هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في الصداق ، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن » . هذا وإن القرآن كتاب جاء لهدي أمة والتشريع لها ، وهذا الهدى قد يكون واردا قبل الحاجة ، وقد يكون مخاطبا به قوم على وجه الزجر أو الثناء أو غيرهما ، وقد يكون مخاطبا به جميع من يصلح لخطابه ، وهو في جميع ذلك قد جاء بكليات تشريعية وتهذيبية ، والحكمة في ذلك أن يكون وعي الأمة لدينها سهلا عليها ، وليمكن تواتر الدّين ، وليكون لعلماء الأمة مزية الاستنباط ، وإلا فإن اللّه قادر أن يجعل القرآن أضعاف هذا المنزّل وأن يطيل عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للتشريع أكثر مما أطال عمر إبراهيم وموسى ، ولذلك قال تعالى :
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
[ المائدة : 3 ] ، فكما لا يجوز حمل كلماته على خصوصيات جزئية لأن ذلك يبطل مراد اللّه ، كذلك لا يجوز تعميم ما قصد منه الخصوص ولا إطلاق ما قصد منه التقييد ؛ لأن ذلك قد يقضي إلى التخليط في المراد أو إلى إبطاله من أصله ، وقد اغتر بعض الفرق بذلك ، قال ابن سيرين في الخوارج : إنهم عمدوا إلى آيات الوعيد النازلة في المشركين فوضعوها على المسلمين فجاءوا ببدعة القول بالتكفير بالذنب ، وقد قال الحورية لعليّ رضي اللّه عنه يوم التحكيم
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ *
[ الأنعام : 57 ] فقال عليّ « كلمة حق أريد بها باطل » وفسرها في خطبة له في « نهج البلاغة » . وثمة فائدة أخرى عظيمة لأسباب النزول وهي أن في نزول القرآن عند حدوث