تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وقد تصفّحت أسباب النزول التي صحت أسانيدها فوجدتها خمسة أقسام :

الأول :

هو المقصود من الآية يتوقف فهم المراد منها على علمه فلا بد من البحث عنه للمفسر ، وهذا منه تفسير مبهمات القرآن مثل قوله تعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
[ المجادلة : 11 ] ، ونحو :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا
[ البقرة : 104 ] ومثل بعض الآيات التي فيها :
وَمِنَ النَّاسِ *
[ البقرة : 8 ] .

والثاني :

هو حوادث تسببت عليها تشريعات أحكام وصور تلك الحوادث لا تبيّن مجملا ولا تخالف مدلول الآية بوجه تخصيص أو تعميم أو تقييد ، ولكنها إذا ذكرت أمثالها وجدت مساوية لمدلولات الآيات النازلة عند حدوثها ، مثل حديث عويمر العجلاني الذي نزلت عنه آية اللعان ، ومثل حديث كعب بن عجرة الذي نزلت عنه آية :
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ
[ البقرة : 196 ] الآية فقد قال كعب بن عجرة : هي لي خاصة ولكم عامة ، ومثل قول أم سلمة رضي اللّه عنها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : يغزو الرجال ولا نغزو فنزل قوله تعالى :
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
[ النساء : 32 ] الآية . وهذا القسم لا يفيد البحث فيه إلا زيادة تفهم في معنى الآية وتمثيلا لحكمها ، ولا يخشى توهم تخصيص الحكم بتلك الحادثة ، إذ قد اتفق العلماء أو كادوا على أن سبب النزول في مثل هذا لا يخصص ، واتفقوا على أن أصل التشريع أن لا يكون خاصا .

والثالث :

هو حوادث تكثر أمثالها تختص بشخص واحد فنزلت الآية لإعلانها وبيان أحكامها وزجر من يرتكبها فكثيرا ما تجد المفسرين وغيرهم يقولون نزلت في كذا وكذا ، وهم يريدون أن من الأحوال التي تشير إليها تلك الآية تلك الحالة الخاصة فكأنهم يريدون التمثيل . ففي كتاب الأيمان من « صحيح البخاري » في باب قول اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا
[ آل عمران : 77 ] أن عبد اللّه بن مسعود قال : « قال رسول اللّه من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللّه وهو عليه غضبان » فأنزل اللّه تصديق ذلك :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا
الآية فدخل الأشعث بن قيس فقال : ما حدثكم أبو عبد الرحمن ؟ فقالوا كذا وكذا ، قال فيّ أنزلت ، لي بئر في أرض بن عمّ لي إلخ ، فابن مسعود جعل الآية عامة لأنه جعلها تصديقا لحديث عامّ ، والأشعث بن قيس ظنها خاصة به إذا قال : « فيّ أنزلت » بصيغة الحصر . ومثل الآيات النازلة في المنافقين في سورة براءة المفتتحة بقوله تعالى :
وَمِنْهُمْ
[ التوبة : 58 ] ، ولذلك قال ابن عباس : كنا نسمي سورة التوبة سورة الفاضحة . ومثل