تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
ذلك ضر على عمومها إذ قد أراحنا أئمة الأصول حين قالوا : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ولكن أسبابا كثيرة رام رواتها تعيين مراد من تخصيص عام أو تقييد مطلق أو إلجاء إلى محمل ، فتلك هي التي قد تقف عرضة أمام معاني التفسير قبل التنبيه على ضعفها أو تأويلها ، وقد قال الواحدي في أول كتابه في « أسباب النزول » : « أما اليوم فكل أحد يخترع للآية سببا ، ويختلق إفكا وكذبا ، ملقيا زمامه إلى الجهالة ، غير مفكر في الوعيد » وقال : « لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل » ا ه . إن من أسباب النزول ما ليس المفسر بغنى عن علمه لأن فيها بيان مجمل أو إيضاح خفي وموجز ، ومنها ما يكون وحده تفسيرا ، ومنها ما يدل المفسر على طلب الأدلة التي بها تأويل الآية أو نحو ذلك . ففي « صحيح البخاري » أن مروان بن الحكم أرسل إلى ابن عباس يقول : « لئن كان كلّ امرئ فرح بما أتى ، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذّبا لنعذّبنّ أجمعون » يشير إلى قوله تعالى :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[ آل عمران : 188 ] فأجاب ابن عباس قائلا : « إنما دعا النبي اليهود فسألهم على شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أنهم قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ، ثم قرأ ابن عباس :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
[ آل عمران : 187 ، 188 ] الآيات » . وفي « الموطأ » عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه أنه قال قلت لعائشة أم المؤمنين وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول اللّه تعالى :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
[ البقرة : 158 ] فما على الرجل شيء ألّا يطوف بهما ، قالت عائشة : كلا ، لو كان كما تقول لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، إنما نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلّون لمناة ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول اللّه عن ذلك فأنزل اللّه تعالى :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
ا ه . ومنها ما ينبه المفسر إلى إدراك خصوصيات بلاغية تتبع مقتضى المقامات فإن من أسباب النزول ما يعين على تصوير مقام الكلام كما سننبهك إليه في أثناء المقدمة العاشرة .