تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
قراؤها من الصحابة قبل ورود مصحف عثمان إليهم فقرأ كل فريق بعربية قومه في وجوه الأداء ، لا في زيادة الحروف ونقصها ، ولا في اختلاف الإعراب دون مخالفته مصحف عثمان ، ويحتمل أن يكون القارئ الواحد قد قرأ بوجهين ليري صحتهما في العربية قصدا لحفظ اللغة مع حفظ القرآن الذي أنزل بها ، ولذلك يجوز أن يكون كثير من اختلاف القراء في هذه الناحية اختيارا ، وعليه يحمل ما يقع في « كتابي الزمخشري وابن العربي » من نقد بعض طرق القراء ، على أن في بعض نقدهم نظرا ، وقد كره مالك رحمه اللّه القراءة بالإمالة مع ثبوتها عن القراء ، وهي مروية عن مقرئ المدينة نافع من رواية ورش عنه وانفرد بروايته أهل مصر ، فدلت كراهته على أنه يرى أن القارئ بها ما قرأ إلا بمجرد الاختيار . وفي تفسير القرطبي في سورة الشعراء [ 1 ] عن أبي إسحاق الزجاج : يجوز أن يقرأ « طسين ميم » بفتح النون من « طسين » وضم الميم الأخيرة كما يقال هذا معديكرب ا ه مع أنه لم يقرأ به أحد . قلت : ولا ضير في ذلك ما دامت كلمات القرآن وجمله محفوظة على نحو ما كتب في المصحف الذي أجمع عليه أصحاب رسول اللّه إلا نفرا قليلا شذوا منهم ، كان عبد اللّه بن مسعود منهم ، فإن عثمان لما أمر بكتب المصحف على نحو ما قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأثبته كتّاب المصحف ، رأى أن يحمل الناس على اتباعه وترك قراءة ما خالفه ، وجمع جميع المصاحف المخالفة له وأحرقها ووافقه جمهور الصحابة على ما فعله . قال شمس الدين الأصفهاني في المقدمة الخامسة من « تفسيره » « كان عليّ طول أيامه يقرأ مصحف عثمان ويتخذه إماما » . وقلت : إنما كان فعل عثمان إتماما لما فعله أبو بكر من جمعه القرآن الذي كان يقرأ في حياة الرسول ، وأن عثمان نسخه في مصاحف لتوزع على الأمصار ، فصار المصحف الذي كتب لعثمان قريبا من المجمع عليه وعلى كل قراءة توافقه وصار ما خالفه متروكا بما يقارب الإجماع . قال الأصفهاني في « تفسيره » : « كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة ، وهي قراءة العامة التي قرأ بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على جبريل في العام الذي قبض فيه ، ويقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول اللّه على جبريل » ا ه . وبقي الذين قرءوا قراءات مخالفة لمصحف عثمان يقرءون بما رووه لا ينهاهم أحد عن قراءتهم ولكن يعدونهم شذاذا ولكنهم لم يكتبوا قراءتهم في