تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤

المقدمة الخامسة في أسباب النزول

أولع كثير من المفسرين بتطلب أسباب نزول آي القرآن ، وهي حوادث يروى أن آيات من القرآن نزلت لأجلها لبيان حكمها أو لحكايتها أو إنكارها أو نحو ذلك ، وأغربوا في ذلك وأكثروا حتى كاد بعضهم أن يوهم الناس أن كل آية من القرآن نزلت على سبب ، وحتى رفعوا الثقة بما ذكروا ، بيد أنا نجد في بعض آي القرآن إشارة إلى الأسباب التي دعت إلى نزولها ونجد لبعض الآي أسبابا ثبتت بالنقل دون احتمال أن يكون ذلك رأي الناقل ، فكان أمر أسباب نزول القرآن دائرا بين القصد والإسراف ، وكان في غض النظر عنه وإرسال حبله على غاربه خطر عظيم في فهم القرآن . فذلك الذي دعاني إلى خوض هذا الغرض في مقدمات التفسير لظهور شدة الحاجة إلى تمحيصه في أثناء التفسير ، وللاستغناء عن إعادة الكلام عليه عند عروض تلك المسائل ، غير مدّخر ما أراه في ذلك رأيا يجمع شتاتها . وأنا عاذر المتقدمين الذين ألّفوا في أسباب النزول فاستكثروا منها ، بأن كل من يتصدى لتأليف كتاب في موضوع غير مشبع تمتلكه محبة التوسع فيه فلا ينفك يستزيد من ملتقطاته ليذكي قبسه ، ويمدّ نفسه ، فيرضى بما يجد رضى الصب بالوعد ، ويقول زدني من حديثك يا سعد ، غير هيّاب لعاذل ، ولا متطلب معذرة عاذر ، وكذلك شأن الولع إذا امتلك القلب ، ولكني لا أعذر أساطين المفسرين الذين تلقفوا الروايات الضعيفة فأثبتوها في كتبهم ولم ينبهوا على مراتبها قوة وضعفا ، حتى أوهموا كثيرا من الناس أن القرآن لا تنزل آياته إلا لأجل حوادث تدعو إليها ، وبئس هذا الوهم فإن القرآن جاء هاديا إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام . نعم إن العلماء توجسوا منها فقالوا إن سبب النزول لا يخصّص ، إلا طائفة شاذة ادعت التخصيص بها ، ولو أن أسباب النزول كانت كلها متعلقة بآيات عامة لما دخل من