تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
التمانع لتقرير معنى قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] وكتقرير مسألة المتشابه لتحقيق معنى نحو قوله تعالى :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ
[ الذاريات : 47 ] فهذا كونه من غايات التفسير واضح ، وكذا قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ
[ ق : 6 ] فإن القصد منه الاعتبار بالحالة المشاهدة فلو زاد المفسر ففصل تلك الحالة وبين أسرارها وعللها بما هو مبين في علم الهيئة كان قد زاد المقصود خدمة . وإمّا على وجه التوفيق بين المعنى القرآني وبين المسائل الصحيحة من العلم حيث يمكن الجمع . وإما على وجه الاسترواح من الآية كما يؤخذ من قوله تعالى :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ
[ الكهف : 47 ] أن فناء العالم يكون بالزلازل ، ومن قوله :
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
[ التكوير : 1 ] الآية أن نظام الجاذبية يختل عند فناء العالم . وشرط كون ذلك مقبولا أن يسلك فيه مسلك الإيجاز فلا يجلب إلا الخلاصة من ذلك العلم ولا يصير الاستطراد كالغرض المقصود له لئلا يكون كقولهم السّي بالسّيّ يذكر « 1 » . وللعلماء في سلوك هذه الطريقة الثالثة على الإجمال آراء ، فأما جماعة منهم فيرون من الحسن التوفيق بين العلوم غير الدينية وآلاتها وبين المعاني القرآنية ، ويرون القرآن مشيرا إلى كثير منها . قال ابن رشد الحفيد في « فصل المقال » : « أجمع المسلمون على أن ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها ، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل ، والسبب في ورود الشرع بظاهر وباطن هو اختلاف نظر الناس وتباين قرائحهم في التصديق » وتخلّص إلى القول بأن بين العلوم الشرعية والفلسفية اتصالا . وإلى مثل ذلك ذهب قطب الدين الشيرازي في « شرح حكمة الإشراق » ، وهذا الغزالي والإمام الرازي وأبو بكر ابن العربي وأمثالهم صنيعهم يقتضي التبسط وتوفيق المسائل العلمية ، فقد ملئوا كتبهم من الاستدلال على المعاني القرآنية بقواعد العلوم الحكمية وغيرها ، وكذلك الفقهاء في كتب « أحكام القرآن » ، وقد علمت ما قاله ابن العربي فيما أملاه على سورة نوح وقصة الخضر ، وكذلك ابن جني والزجاج وأبو حيان قد أشبعوا « تفاسيرهم » من الاستدلال على القواعد العربية ، ولا شك أن الكلام الصادر عن علام الغيوب تعالى وتقدس لا تبنى معانيه على فهم طائفة واحدة ولكن معانيه تطابق الحقائق ، وكل ما كان من الحقيقة في علم من
هامش
( 1 ) السي : بسين مهملة مكسورة وتحتية مشددة النظير والمثيل .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 41 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور