للتركيب مع بيانه وإيضاحه وهذا هو الأصل ، وإما استنباط معان من وراء الظاهر تقتضيها دلالة اللفظ أو المقام ولا يجافيها الاستعمال ولا مقصد القرآن ، وتلك هي مستتبعات التراكيب وهي من خصائص اللغة العربية المبحوث فيها في علم البلاغة ككون التأكيد يدل على إنكار المخاطب أو تردده ، وكفحوى الخطاب ودلالة الإشارة واحتمال المجاز مع الحقيقة ، وإما أن يجلب المسائل ويبسطها لمناسبة بينها وبين المعنى ، أو لأن زيادة فهم المعنى متوقفة عليها ، أو للتوفيق بين المعنى القرآني وبين بعض العلوم مما له تعلق بمقصد من مقاصد التشريع لزيادة تنبيه إليه ، أو لرد مطاعن من يزعم أنه ينافيه لا على أنها مما هو مراد اللّه من تلك الآية بل لقصد التوسع كما أشرنا إليه في المقدمة الثانية .
ففي الطريقة الثانية قد فرع العلماء وفصلوا في الأحكام ، وخصوها بالتآليف الواسعة ، وكذلك تفاريع الأخلاق والآداب التي أكثر منها حجة الإسلام الغزالي في كتاب « الإحياء » فلا يلام المفسر إذا أتى بشيء من تفاريع العلوم مما له خدمة للمقاصد القرآنية ، وله مزيد تعلق بالأمور الإسلامية كما نفرض أن يفسر قوله تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النساء : 164 ] بما ذكره المتكلمون في إثبات الكلام النفسي والحجج لذلك ، والقول في ألفاظ القرآن وما قاله أهل المذاهب في ذلك . وكذا أن يفسر ما حكاه اللّه تعالى في قصة موسى مع الخضر بكثير من آداب المعلم والمتعلم كما فعل الغزالي . وقد قال ابن العربي إنه أملى عليها ثمانمائة مسألة . وكذلك تقرير مسائل من علم التشريع لزيادة بيان قوله تعالى في خلق الإنسان :
مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ *
[ الحج : 5 ] الآيات فإنه راجع إلى المقصد وهو مزيد تقرير عظمة القدرة الإلهية .
وفي الطريقة الثالثة تجلب مسائل علمية من علوم لها مناسبة بمقصد الآية : إما على أن بعضها يومئ إليه معنى الآية ولو بتلويح ما كما يفسر أحد قوله تعالى :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] فيذكر تقسيم علوم الحكمة ومنافعها مدخلا ذلك تحت قوله :
خَيْراً كَثِيراً
. فالحكمة وإن كانت علما اصطلاحيا وليس هو تمام المعنى للآية إلا أن معنى الآية الأصلي لا يفوت وتفاريع الحكمة تعين عليه ، وكذلك أن نأخذ من قوله تعالى :
كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ
[ الحشر : 7 ] تفاصيل من علم الاقتصاد السياسي وتوزيع الثروة العامة ونعلل بذلك مشروعية الزكاة والمواريث والمعاملات المركبة من رأس مال وعمل على أن ذلك تومئ إليه الآية إيماء . وأن بعض مسائل العلوم قد تكون أشد تعلقا بتفسير آي القرآن كما نفرض مسألة كلامية لتقرير دليل قرآني مثل برهان