لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأن الغاية لا يلزم وجودها ، كما في قولك :
بريت هذا القلم لأكتب له ، فإنك قد لا تكتب به
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ
لي ولا لأنفسهم وغيرهم
وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
( 57 ) ولا أنفسهم ولا غيرهم
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
( 58 ) الشديد
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا
أنفسهم بالكفر من أهل مكة وغيرهم
ذَنُوباً
نصيبا من العذاب
مِثْلَ ذَنُوبِ
نصيب
أَصْحابِهِمْ
الهالكين قبلهم
فَلا يَسْتَعْجِلُونِ
( 59 ) بالعذاب
شرح
قوله :إِلَّا لِيَعْبُدُونِأي لا لطلب الدنيا والانهماك فيها . قوله : ( ولا ينافي ذلك ) أي الحصر المذكور ، وهو جواب عن سؤال مقدر حاصله : أن اللّه تعالى حصر الجن والإنس في العبادة ، فمقتضاه أنه لا يخرج أحد عنها ، مع أنه شوهد كثير من الخلف كفر وترك العبادة ، فأجاب المفسر ، بأن اللام للغاية والعاقبة لا للعلة الباعثة ، لأن اللّه لا يبعثه شيء على شيء ، وقوله : ( فإنك قد لا تكتب به ) اعترض بأن هذا مسلم في أفعال المخلوقين ، لجهلهم بعواقب الأمور ، وأما في حق اللّه تعالى ، فلا يصح التخلف في فعله ، بل مقتضاه أنه عالم بأنهم سيعبدونه ولا بد ، ولا يمكن تخلفه في البعض ، فالجواب الصحيح أن يقال : إن اللّه تعالى خلق الخلق ، وجعلهم مهيئين صالحين للعبادة ، بأن ركب فيهم عقلا وحواس ، وجعلهم قابلين للعبادة والطاعة ، . وبعد ذلك اختار لعبادته وطاعته من أحب منهم ، فلا يلزم من الصلاحية للعبادة وقوعها منهم بالفعل ، وقيل : معنى ليعبدون لآمرهم وأكلفهم بعبادتي ، لا ليهتموا بالرزق وينهمكوا في خدمة الدنيا ، وهذا على حدوَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَوقيل : معناه إلا ليوحدون ، فالمؤمن يوحده طوعا ، والكافر يوحده كرها ، وقيل : إنه عام أريد به الخصوص ، والمعنىوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِبدليل القراءة الشاذة : وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين .
قوله :ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ( لي ولا لأنفسهم ) دفع المفسر بقوله : ( لي ) ما يتوهم من عادة سادات العبيد في احتياجهم لمكاسب عبيدهم ، فالمعنى : أن عادة اللّه سبحانه وتعالى ، ليست كعادة السادات مع عبيدهم ، فإنهم يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم . قوله :وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِإن قلت : إن هذا يغني عنه ما قبله . أجيب : بأنه أتى به لدفع توهم ما عليه سادات العبيد الأغنياء ، من احتياجهم للاستعانة بهم في صنع الطعام مثلا وتهيئته ، ونحو ذلك ، فكأنه قال : شأن ربنا ليس كشأن السادات مع عبيدهم ، فليس محتاجا لعبيده في تحصيل رزق ولا في صنعه ، لا له ، ولا لغيره ، وهذا من تنزلات الحق سبحانه وتعالى لضعفاء العقول ، وإلا فيستحيل على اللّه عقلا تلك الأوصاف ، ولا ينفي في نفس الأمر إلا ما جوزه العقل .
قوله :إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُأتى بالاسم الظاهر للتفخيم والتعظيم ، وأكد الجملة بأن ، والضمير المنفصل ، لقطع أوهام الخلق في أمور الرزق ، وليقوى اعتمادهم عليه . قوله :الْمَتِينُالعامة على رفعه ، وهو إما نعت للرزق ، أو لذو ، أو خبر بعد خبر ، وقرئ شذوذا بالجر . قوله : ( الشديد ) أي الذي لا يطرأ عليه ضعف ولا عجز .
قوله :فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواالخ ، أي فلا تحزن على كفر قومك ، وتسل عنهم ، فلا بد لهم من العذاب . قوله :ذَنُوباًهو في الأصل الدلو العظيم ، شبه به النصيب من العذاب ، إشارة إلى أنه يصب عليهم كما يصب الذنوب ، قال تعالىيُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ .قوله :أَصْحابِهِمْأي نظائرهم من الأمم السابقة .
قوله :فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواوضع الموصول