تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
من الأعمال
وَ
ما
أَخَّرَتْ
( 5 ) منها فلم تعمله
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ
الكافر
ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
( 6 ) حتى عصيته
الَّذِي خَلَقَكَ
بعد أن لم تكن
فَسَوَّاكَ
جعلك مستوي الخلقة سالم الأعضاء
فَعَدَلَكَ
( 7 ) بالتخفيف والتشديد ، جعلك معتدل الخلق متناسب الأعضاء ، ليس يد أو رجل أطول من الأخرى
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما
زائدة
شاءَ رَكَّبَكَ
( 8 )
كَلَّا
ردع عن الاغترار بكرم اللّه تعالى
بَلْ تُكَذِّبُونَ
أي كفار مكة
بِالدِّينِ
( 9 ) بالجزاء على الأعمال
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ
( 10 ) من الملائكة لأعمالهم
كِراماً
على اللّه
كاتِبِينَ
( 11 ) لها
يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ
( 12 ) جميعه
شرح
قوله :يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ( الكافر ) هذا أحد قولين ، والآخر أن المراد بالإنسان ، ما يشمل الكافر والمؤمن المنهمك في المعاصي . قوله :ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِمااستفهامية ، والمعنى : أي شيء خدعك وجرأك على عصيان الكريم ، الذي من حقه عليك أن تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه ؟ ولا تغتر بحلمه وكرمه . إن قلت : كونه كريما يقتضي أنه يغتر الإنسان بكرمه لأنه جواد ، وهو يستوي عنده طاعة المطيع وعصيان المذنب ، فهذا يقتضي الاغترار به ، فكيف جعله هنا مانعا منه ؟ أجيب : بأن الآية واردة لتهديد الكافر والعاصي ، حيث أنعم عليه بتلك النعم ، وكلفه بشكرها وأوعد من كفر بالعذاب الدائم ، فلم يقم بشكرها ، فتضمنت مخالفته استخفافه بالنعمة وبأوامر المنعم ونواهيه ، فليس في الآية ما يقتضي الاغترار ، كما تزعمه الحشوية حيث يقولون : إنما قالبِرَبِّكَ الْكَرِيمِدون سائر صفاته ، ليلقن عبده الجواب حتى يقول : غرني كرم الكريم ، ففي الحديث لما تلا هذه الآية قال : « غره جهله » . وقال عمر : غره حمقه وجهله . وقال الحسن : غره واللّه شيطانه الخبيث . قوله : ( حتى عصيته ) أي بالكفر ، وجحد الرسل وإنكار ما أتوا به . قوله :الَّذِي خَلَقَكَأي أوجدك من العدم . قوله :فَسَوَّاكَأي جعل أعضاءك سليمة مستوية تامة المنافع . قوله : ( بالتخفيف والتشديد ) أي فهما سبعيتان ، فالتسوية ترجع إلى عدم النقصان في الأعضاء ، والتعديل يرجع إلى نفي العوج والقبح . قوله :فِي أَيِّ صُورَةٍمتعلق بركبك ، وشاءَصفة لصورة ، والمعنى : ركبك في أي صورة من الصور التي اقتضتها مشيئته ، من طول وقصر وذكورة وأنوثة . قوله :بَلْ تُكَذِّبُونَإضراب انتقالي إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم ، كأنه قال : إنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمي عليكم وإرشادي لكم ، بل تكذبون . قوله :وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَالخطاب وإن كان مشافهة ، إلا أن الآية عامة بالإجماع لجميع المكلفين ، والجملة حالية من الواو فيتُكَذِّبُونَ .قوله : ( من الملائكة ) أي فكل واحد من الآدميين له ملكان ، ملك عن يمينه يكتب الحسنات ، وآخر عن يساره يكتب السيئات . وقيل : اثنان بالليل ، واثنان بالنهار ، واختلفوا في الكفار فقيل : ليس عليهم حفظة ، لأن أمرهم ظاهر وعلمهم واحد ، وقيل : عليهم حفظة لظاهر هذه الآية . إن قلت : فأي شيء يكتب الذي على يمينه مع أنه لا حسنة له . أجيب : بأن الذي عن شماله يكتب بإذن صاحب اليمين ، فيكون شاهدا على ذلك ، فالمراد بالحفظة هنا ، حفظة الأعمال الكاتبون لها ، وأما حفظة البدن ، فهم المذكورون في قوله تعالى :لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ