وهو صخر أو غيره ، جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها ، فخرج سليمان في غير هيئته ، فرآه على كرسيه وقال للناس : أنا سليمان فأنكروه
ثُمَّ أَنابَ
( 34 ) رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام ، بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي
لا يكون
لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
أي سواي ، نحو فمن يهديه من بعد اللّه أي سوى اللّه
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
( 35 )
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً
لينة
حَيْثُ أَصابَ
( 36 ) أراد
شرح
روحه هو ، لأن الجسد هو الجسم الذي لا روح فيه . قوله : ( وهو صخر ) أي ابن عمير المارد . قوله : ( في غير هيئته ) أي المعتادة التي كانوا يعرفونه بها . قوله : ( رجع سليمان إلى ملكه ) هذا التفسير مبني على أن قوله :ثُمَّ أَنابَمرتبط بقوله :وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداًوقال غيره : إنه مرتبط بقوله :وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَومعنى إنابته : رجوعه إلى اللّه تعالى وتوبته . قوله : ( بعد أيام ) أي أربعين ، قال القاضي عياض وغيره من المحققين : لا يصح ما نقله الأخباريون ، من تشبه الشيطان بسليمان ، وتسلطه على ملكه ، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه ، وإن الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا ، وقد عصم اللّه تعالى الأنبياء من مثل هذا ، والذي ذهب إليه المحققون ، أن سبب فتنته ، ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قال سليمان :
لأطوفن الليلة على تسعين امرأة ، وفي رواية على مائة امرأة ، كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه تعالى ، فقال له صاحبه : قل إن شاء اللّه ، فلم يقل إن شاء اللّه ، فطاف عليهن جميعا ، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ، وأيم اللّه الذي نفسي بيده ، لو قال إن شاء اللّه ، لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون » قال العلماء : والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه ، وفتنته من نسيان المشيئة ، فامتحن بهذا ، فتاب ورجع ، وقيل : إن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه ، أنه ولد له ولد ، فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض : إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء ، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخيله ، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله ، فكان يربيه في السحاب خوفا من الشياطين ، فبينما هو مشتغل في بعض مهماته ، إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه ، فعاتبه اللّه على خوفه من الشياطين ، حيث لم يتوكل عليه في ذلك ، فتنبه واستغفر ربه . إذا علمت ذلك ، فالمناسب أن يعرج على ما في الصحيحين ، ويترك تلك القصة البشعة .
قوله :قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِيإنما قال ذلك تواضعا واظهارا للخضوع للمولى عزّ وجل ، وإلا فهو لم يحصل منه ذنب ، وإنما هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين . قوله :وَهَبْ لِي مُلْكاًإلخ ، قدم طلب المغفرة اهتماما بأمر الدين . قوله :لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيأي ليكون معجزة لي ، فليس طلبه للمفاخرة بأمور الدنيا ، وإنما كان هو من بيت النبوة والملك ، وكان في زمن الجبارين وتفاخرهم بالملك ، فطلب ما يكون معجزة لقوله ، ومعجزة كل نبي ما اشتهر في عصره . قوله :إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُتعليل للدعاء بالمغفرة والهبة .
قوله :فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَأي أعدنا له تسخير الريح ، بعد ما كان قد ذهب بزوال ملكه ، وهذا على ما مشى عليه المفسر ، وعلى ما مشى عليه المحققون ، فيقال : أدمنا تسخيرها . قوله :تَجْرِي بِأَمْرِهِبيان لتسخيرها له . قوله :رُخاءًحال من قوله :الرِّيحَ. قوله : ( لينة ) أي غير عاصفة ، وهذا في