تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
حَتَّى إِذا فُزِّعَ
بالبناء للفاعل وللمفعول
عَنْ قُلُوبِهِمْ
كشف عنها الفزع بالإذن فيها
شرح
الكفر ، فكيف يطلبون الشفاعة بالكفر المقتضي للغضب ، وعدم الإذن في الشافعة ؟ إن هذا الزعم باطل . قوله :إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُيصح وقوع من على الشافعين ، والمعنى إلا لشافع أذن له في الشفاعة ، ويصح وقوعها على المشفوع لهم ، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمشفوع أذن أن يشفع له ، فاللام على كل حال متعلقة بأذن ، والضمير عائد على الموصول وفيه الوجهان . قوله : ( بفتح الهمزة ) أي والضمير عائد على اللّه تعالى لذكره أولا ، وقوله : ( وضمها ) أي بالبناء للمفعول ، والآذن هو اللّه تعالى ، والقراءتان سبعيتان . قوله :حَتَّى إِذا فُزِّعَغاية في محذوف تقديره يتربصون ويتوقعون مدة من الزمان ، فزعين حتى إذا فزع إلى آخره ، والتضعيف للسلب كالهمزة ، كما أشار له بقوله : ( كشف عنها الفزع ) والمعنى : حتى إذا أزيل الفزع من قلوب الشافعين والمشفوع لهم ، بكلمة يتكلم بها رب العزة في الإذن بالشفاعة سأل بعضهم بعضا . قوله : ( بالبناء للفاعل ) أي والفاعل ضمير يعود على اللّه ، وقوله : ( والمفعول ) أي والجار والمجرور نائب الفاعل ، والقراءتان سبعيتان . قوله : ( استبشارا ) أي لزوال الكرب والحزن عن القلوب ، واختلف هل هذا الأمر في الآخرة أو الدنيا ؟ فقيل في الآخرة ، ويؤيده ما في سورة النبأيَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباًوعلى هذا فيكون في الكلام حذف ، والتقدير لا تنفع الشفاعة عنده يوم القيامة ، إلا لمن أذن له ، ففزع ما ورد على القلوب من المهابة ، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم ، سأل بعضهم بعضا ، وقيل : في الدنيا ، ويؤيده ما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه تعالى إذا أراد أن يوحي بأمر وتكلم بالوحي ، أخذت السماوات والأرض منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من اللّه تعالى ، فإذا سمع أهل السماوات بذلك ، صعقوا وخروا للّه سجدا ، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ، فيكلمه اللّه تعالى ويقول له من وحيه ما أراد ، ثم يمر جبريل بالملائكة ، كلما مر بسماء سأله ملائكتها ما ذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل : قال الحق وهو العلي الكبير ، قال : فيقول كلهم كما قال جبريل ، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر اللّه تعالى » . وعن ابن عباس قال : كان لكل قبيلة من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي ، وكان إذا نزل الوحي ، سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان ، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ما ذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق وهو العلي الكبير ، ثم يقول : يكون في هذا العام كذا ويكون كذا ، فتسمعه الجن فيخبرون الكهنة ، والكهنة تخبر الناس ، فيجدونه كذلك ، فلما بعث اللّه سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، دحروا ومنعوا بالشهب ، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك ؟ هلك من في السماء ، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا ، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة ، وصاحب الغنم يذبح كل يوم شاة ، حتى أسرعوا في أموالهم ، فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب : أيها الناس أمسكوا على أموالكم ، فإنه لم يمت من في السماء ، أما ترون معالمكم من النجوم كما هي ، والشمس والقمر والليل والنهار ؟ فقال إبليس : لقد حدث في الأرض اليوم حدث ، فائتوني من كل تربة أرض فأتوه بها ، فلما شم تربة مكة قال : من هاهنا جاء الحدث ، فانصتوا فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد بعث ، فتحصل أن الفزع على القول بأنه في الآخرة يكون من جميع الخلق ، وعلى القول بأنه في الدنيا يكون من الملائكة خاصة ، والآية محتملة للأمرين ، والعموم أولى ، لأن الكفار زعموا أن حاشية الصاوي على تفسير الجلالين / ج 5 / م 5