تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
الْكِتابَ
القرآن
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ
أي فيه
عِوَجاً
( 1 ) اختلافا وتناقضا ، والجملة حال من الكتاب
قَيِّماً
مستقيما حال ثانية مؤكدة
لِيُنْذِرَ
يخوف بالكتاب الكافرين
بَأْساً
عذابا
شرح
بمضمون تلك الجملة ، لا إنشاء المضمون ، فإنه ثابت أزلا يستحيل إنشاؤه ، فتكون على هذا خبرية لفظا إنشائية معنى ، كأنه قال : أجدد وأنشئ جمدا لنفسي بنفسي ، لعجز خلقي عن كنه حمدي . ولذا حكي عن أبي العباس المرسي ، أنه سأل ابن النحاس النحوي عن أل في الحمد للّه ، هل هي جنسية أو عهدية ؟ فقال : يقولون إنها جنسية ، فقال : لا بل هي عهدية ، لأن اللّه لما علم عجز خلقه عن كنه حمده ، حمد نفسه بنفسه ، وأبقاه لهم يحمدونه به . قوله : ( أو هما ) أي الإعلام والثناء ، ويكون هذا من باب استعمال الجملة في الخبر والإنشاء ، على سبيل الجمع بين الحقيقة والمجاز ، فاستعمالها في الخبر حقيقة ، واستعمالها في الإنشاء مجاز ، وحينئذ فيكون المقصود من هذه الجملة أمرين : الإعلام للإيمان والتصديق ، وإنشاء الثناء . قوله : ( أفيدها الثالث ) أي أكثرها فائدة ، لدلالته على أمرين مقصود كل منهما بالذات . إن قلت : إن إنشاء الثناء يستلزم الإعلام ، والإعلام يستلزم إنشاء الثناء . قلنا : نعم ، لكن فرق بين الحاصل المقصود ، والحاصل الغير المقصود ، فتحصل أنه إذا جعلت الجملة خبرية فقط ، كان الثناء حاصلا غير مقصود ، وإن جعلت إنشائية فقط ، كان الإيمان بها حاصلا غير مقصود ، وإن استعملت فيهما ، كان كل مقصودا لذاته . قوله :الَّذِي أَنْزَلَتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية ، كأنه قال : الحمد للّه لأجل إنزاله الخ ، وإنما جعل الإنزال سببا في الحمد ، لأنه أعظم نعمة وجدت دنيا وأخرى ، إذ به تنال سعادة الدارين ، إذ فيه صلاح المعاد والمعاش ، قال تعالى :وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ. قوله :عَلى عَبْدِهِالإضافة لتشريف المضاف ، ولذا قال القاضي عياض :وممّا زادني شرفا وتيها * وكدت بأخمصي أطأ الثريّادخولي تحت قولك يا عبادي * وإن صيرت أحمد لي نبيّاقوله :وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُالجملة إما معطوفة على قوله :أَنْزَلَفتكون من جملة المحمود عليه ، أو حال كما قال المفسر . قوله : ( اختلافا ) أي في اللفظ ، والمعنى ، والعوج بالكسر الفساد في المعاني ، وبالفتح في الأجسام . قوله : ( تناقضا ) نعت لاختلافا على حذف مضاف ، أي ذا تناقض . قوله :قَيِّماًإن أريد به الاستقامة في المعنى ، كان حالا مؤكدة كما قال المفسر ، وإن أريد به الاستقامة مطلقا ، كان حالا مؤسسة . قوله : ( مستقيما ) أي معتدلا قائما بمصالح العباد ، دنيا وأخرى ، فهو مصلح لصاحبه دنياه وآخرته ، من حيث إنه يؤنسه في قبره ويتلقى عنه السؤال ، ويكون نورا على الصراط ، ويوضع في الميزان ، ويرقى به درجات الجنة ، وهذا للعامل به ، وقائم على غير العامل به ، بمعنى أنه يكون حجة عليه ، أو المعنى قيما حسن الألفاظ والمعاني ، لكونه في أعلى طبقات الفصاحة والبلاغة . فإن قلت : ما فائدة التأكيد ؟ قلنا : دفع توهم أن نفي العوج عن غالبه ، لأن الحكم للغالب . قوله :لِيُنْذِرَمتعلق بأنزل ، وهو ينصب مفعولين ، قدر المفسر الأول بقوله : ( الكافرين ) والثاني هو قوله :بَأْساً، وقوله :وَيُنْذِرَمعطوف على قوله :لِيُنْذِرَالأول ؛ وحذف مفعوله الثاني لدلالة ما هنا عليه ، وذكر مفعوله الأول ، ففي الكلام احتباك ، حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر .