مقتضى الحكمة ، ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في إدبار الأمور وعواقبها فلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي ، والمراد من الأمر الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السماوات والأرض ، فإن قيل ما موقع هذه الجملة ؟ قلنا : قد دل بكونه خالقا للسماوات والأرض في ستة أيام وبكونه مستويا على العرش على نهاية العظمة وغاية الجلالة ، ثم اتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولا حادث من الحوادث إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه ، فيصير ذلك دليلا على نهاية القدرة والحكمة والعلم ، والإحاطة والتدبير ، وأنه سبحانه مبدع جميع الممكنات وإليه تنتهي الحاجات .
( في بيان قوله تعالى : تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى ( 4 ) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) [ طه : الآيتان 4 ، 5 ] ) وفيه مسائل :
( [ المسألة ] الأولى ) : [ في القراءات ]
ذكروا في نصب تنزيلا وجوها :
( الأول ) : تقديره نزل تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات ، فنصب تنزيلا بمضمر .
( والثاني ) : أن ينصب بأنزلنا ؛ لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة .
( والثالث ) : أن ينصب على المدح والاختصاص .
( الرابع ) : أن ينصب بيخشى مفعولا به أي أنزله اللّه تذكرة لمن يخشى تنزيل اللّه . وهو معنى حسن وإعراب بين وقرأ تنزيل بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف .
( المسألة الثانية ) : فائدة الانتقال من لفظ التكلم إلى لفظ الغيبة أمور :
( أحدها ) : أن هذه الصفات لا يمكن ذكرها إلا مع الغيبة .
( وثانيها ) : أنه قال أولا أنزلنا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع ، ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد ، فتضاعفت الفخامة من طريقين .
( وثالثها ) : يجوز أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل عليه السّلام والملائكة عليهم السّلام النازلين معه .