تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
أن إثبات هذا المعنى من كونه محتاجا إلى العرش ، وأنه لولا العرش لسقط ونزل محال ؛ لأن المسلمين أطبقوا على أن اللّه تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له ، ولا يقول أحد : إن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له . ( والثاني ) : أن قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : الآية 54 ] . يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستويا عليه ، وذلك يدل على أنه يتغير من حال إلى حال ، وكل من كان متغيرا كان محدثا ، وذلك بالاتفاق باطل . ( الثالث ) : أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطربا متحركا ، وكل ذلك من صفات المحدثات . ( الرابع ) : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض ؛ لأن كلمة ثم تقتضي التراخي ، وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنيا عن العرش ، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة ، فوجب أن يبقى بعد خلق العرش ، غنيا عن العرش ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقرا على العرش ، فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق ، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله تعالى .

( المسألة الثالثة ) : اتفق قوم على أن فوق السماوات جسما عظيما وهو العرش .

إذا ثبت هذا فنقول : العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره ؟ فيه قولان بل ثلاثة : القول الأول : وهو الذي اختاره أبو مسلم الأصفهاني : أنه ليس المراد منه ذلك ، بل المراد من قوله :
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[ الأعراف : الآية 54 ] . أنه لما خلق السماوات والأرض سطحها ورفع سمكها فإن كل بناء يسمى عرشا ، وبانيه يسمى عارشا . قال تعالى :
وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
[ النّحل : الآية 68 ] . أي يبنون وقال في صفة القرية :
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
[ الحجّ : الآية 45 ] . والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقفها . وقال :
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[ هود : الآية 7 ] . أي بناؤه ، وإنما ذكر اللّه تعالى ذلك ؛ لأنه أعجب في القدرة ، فالباني يبني البناء متباعدا عن الماء على الأرض الصلبة ؛ لئلا ينهدم ، واللّه تعالى بنى السماوات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته . والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر ، والدليل عليه قوله تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ .
قال أبو مسلم : فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه ، فنقول : وجب حمل اللفظ عليه ،
كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 409 | أحمد فريد المزيدي / محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي