( المسألة الثالثة ) : أنه تعالى عظم حال القرآن بأن نسبه إلى أنه تنزيل ممن خلق الأرض والسماوات على علوها ،
وإنما قال ذلك ؛ لأن تعظيم اللّه تعالى يظهر بتعظيم خلقه ونعمه ، وإنما عظم القرآن ترغيبا في تدبره والتأمل في معانيه وحقائقه ، وذلك معناه ، الشاهد فإن الرسالة بتعظيم حال المرسل ، ليكون المرسل إليه أقرب إلى الامتثال .
( المسألة الرابعة ) : يقال : سماء عليا وسماوات على .
وفائدة وصف السماوات بالعلى الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها .
وأما قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) [ طه : الآية 5 ] . ففيه مسائل :
( المسألة الأولى ) : [ في القراءات ]
قرئ الرحمن مجرورا صفة لمن خلق ، والرفع أحسن ؛ لأن أما أن يكون رفعا على المدح والتقدير هو الرحمن ، وأما أن يكون مبتدأ مشار بلامه إلى من خلق ، فإن قيل الجملة إلى هي على العرش استوى ما محلها إذا جررت الرحمن ورفعته على المدح .
( قلنا ) : إذا جررت فهو خبر مبتدأ محذوف لا غير ، وإن رفعت جاز أن يكون كذلك ، وأن يكون مع الرحمن خبرين للمبتدأ .
( المسألة الثانية ) : المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش ، وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه :
( أحدها ) : أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولامكان ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان ، بل كان غنيا عنه فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم : أنه لم يزل مع اللّه عرش .
( وثانيها ) : أن الجالس على العرش لا بد ، أن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في السيار فيكون في نفسه مؤلفا مركبا ، وكل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلف والمركب وذلك محال .
( وثالثها ) : أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكنا من الانتقال والحركة أو لا