فنقول : عدم المحدثات متقدم على وجودها في الظلمة ، وهي متقدمة في التقدير والتحقق على النور ، فوجب تقديمها في اللفظ ، ومما يقوي ذلك ما يروى في الأخبار الإلهية أنه تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل ،
[ في بيان قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
وفيه مسائل خمس ]
وقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
( 46 ) . اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية من الدلائل الدالة على وجود الصانع أنواعا ، وكلها ترجع إلى الاستدلال بحال الظل .
النوع الأول : في زيادته .
والثاني : في تقصانه .
والثالث : في تغيره من حال إلى حال . وفيه مسائل :
( المسألة الأولى ) : في قوله : أَ لَمْ تَرَ
[ البقرة : الآية 243 ] . وجهان :
( الأول ) : أنه من رؤية العين .
( الثاني ) : أنه من رؤية القلب يعني العلم ، فإن حملناه على رؤية العين ، فالمعنى : ألم تر إلى الظل كيف مده ربك . وإن كان تخريج لفظه على عادة العرب أفصح ، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج فالمعنى : ألم تعلم . وهذا أولى ؛ وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات ، فتأثير قدرة اللّه تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق ، ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز ، وكل جائز له مؤثر ، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه .
( المسألة الثانية ) : المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول - عليه السّلام - بحسب ظاهر اللفظ ، لكن الخطاب عام في المعنى ؛
لأن المقصود من الآية بيان نعم اللّه تعالى بالظل ، وجميع المكلفين مشتركون في وجوب تنبههم لهذه النعمة ، وتمكنهم من الاستدلال على وجود الصانع .
( المسألة الثالثة ) : أن الناس أكثروا في تأويل هذه الآية ،
والكلام الملخص يرجع إلى وجهين :