شرح
من أموالكم ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم ونزل قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا أي : على الإيمان أجرا إلا المودة في القربى أي : إلا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم ، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب . ثالثهما : قال الحسن معناه إلا أن تودوا اللّه تعالى وتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح ، فالقربى على القول الأول القرابة التي بمعنى الرحم ، وعلى الثاني بمعنى الأقارب ، وعلى الثالث بمعنى القرب والتقرب والزلفى . فإن قيل : طلب الأجرة على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه ، أحدها : أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي الطلب للأجرة فقال تعالى في قصة نوح عليه السّلام :وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ[ الشعراء : 109 ] الآية . وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم السّلام ورسولنا أفضل الأنبياء ، فهو بأن لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى .
ثانيها : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صرح بنفي طلب الأجر فقال :قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ[ سبأ : 47 ]قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ[ الفرقان : 57 ] . ثالثها : أن التبليغ كان واجبا عليه قال تعالى :يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ[ المائدة : 67 ] الآية . وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلا عن أعلم العلماء . رابعها : أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى :وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً[ البقرة : 269 ] وصف الدنيا بأنها متاع قليل فقال :قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ[ النساء :
77 ] فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء . خامسها : أن طلب الأجر يوجب التهمة وذلك ينافي القطع بصحة النبوة ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطلب أجرا البتة على التبليغ والرسالة ، وههنا قد ذكر ما يجري مجرى طلب الأجرى وهو المودة في القربى . أجيب :
بأنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ . وأما قوله تعالى :إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىفالجواب عنه من وجهين ، الأول : أن هذا على حد قوله : ولا عيب فيهم البيت يعني أني لا أطلب منكم إلا هذا ، وهذا في الحقيقة ليس أجرا ، لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب . قال تعالى :وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ[ التوبة : 71 ] وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا » والآيات والأخبار في هذا كثيرة ، وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجبا فحصولها في حق أشرف المرسلين أولى فقوله تعالى :إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىتقديره : والمودة في القربى ليست أجرا فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر البتة . الثاني : أن هذا استثناء منقطع كما مرّ تقديره في الآية ، وتم الكلام عند قوله :لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراًثم قال : إلا المودة في القربى أي : أذكركم قرابتي فيكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر . واختلفوا في قرابته صلّى اللّه عليه وسلّم فقيل : هم فاطمة وعلي وأتباعهما وفيهم نزل :إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[ الأحزاب : 33 ] وروى زيد بن أرقم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وأهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي » قيل لزيد بن أرقم : فمن أهل بيته ؟ فقال : هم آل علي وآل جعفر وآل عباس . وروى ابن عمر بن أبي بكر قال : ارقبوا محمدا في أهل بيته ، وقيل : هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب الذين لم يفترقوا جاهلية ولا إسلاما . وقيل : هذه الآية منسوخة ، وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم ، والحسين بن الفضيل . قال البغوي : وهذا قول غير مرضي لأن مودة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ،