تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
من كل منهم ما يشاء
وَهُوَ الْقَوِيُّ
على مراده
الْعَزِيزُ
( 19 ) الغالب على أمره
مَنْ كانَ يُرِيدُ
بعمله
حَرْثَ الْآخِرَةِ
أي كسبها وهو الثواب
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
بالتضعيف فيه
شرح
في الرزق من وجهين ، أحدهما : أنه جعل رزقك من الطيبات . والثاني : أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة فتبذره . وقال الحسين بن الفضيل : لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره ، وقال الجنيد : لطيف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بأعدائه لما جحدوه ، وقال محمد بن علي الكناني : اللطيف من لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق توكل عليه ورجع إليه ، فحينئذ يقلبه ويقبل عليه . وجاء في حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى يطلع على القبور الدوارس ، فيقول اللّه عز وجل انمحت آثارهم واضمحلت صورهم وبقي عليهم العذاب وأنا اللطيف وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم » . وقال أبو علي رضي اللّه عنه : اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب ، وعلى هذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا من أظهر الجميل وستر القبيح » . وقيل : هو الذي يقبل القليل ويبذل الجزيل ، وقيل : هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير ، وقيل : هو الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله ، وقيل : هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة ، وقيل : هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه ، وقيل هو الذي لا يرد سائله ولا يؤيس آمله ، وقيل : هو الذي يعفو عمن يهفو ، وقيل : هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه ، وقيل : هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا وجعل لهم الصراط المستقيم منهاجا وأجرى لهم من سحائب بره ماء ثجاجا ، وقد مضى في الأنعام قول أبي العالية والجنيد . وقد ذكرنا جميع هذا في الكتاب الأسنى في شرح أسماء اللّه الحسنى عند اسمه اللطيف والحمد للّه اه . قوله :يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُأي : ويحرم من يشاء وفي تفضيل قوم بالمال حكمة ليحتاج البعض إلى البعض كما قال :لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا[ الزخرف : 32 ] وكان هذا لطفا بالعباد ليمتحن الغني بالفقير والفقير بالغني كما قال :وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً[ الفرقان : 20 ] أتصبرون على ما تقدم بيانه اه قرطبي . قوله : ( من كل منهم ) تفسير لمن فحملها على العموم أي : فالذي يشاء اللّه رزقه هو كل منهم ، فلا تنافي بين قوله : من يشاء وبين التعميم الذي ذكره في عباده ، وقوله : ما يشاء أي : اللّه من أنواع الرزق ، فهو وإن كان يرزق كل ذي روح لكنه فاوت بين المرزوقين في الرزق قلة وكثرة وجنسا ونوعا وحكمة يعلمها هو اه شيخنا . قوله :مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِالخ قال القشيري : الظاهر أن الآية في الكافر توسع عليه الدنيا أي لا ينبغي له أن يغتر بذلك لأن الدنيا ، لا تبقى ، وقال قتادة : إن اللّه يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا . وقال أيضا : يقول اللّه تعالى : من عمل لآخرته زدناه في عمله وأعطيناه من الدنيا ما كتبناه له ، ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار ولم يصب من الدنيا إلا رزقا قد قسمناه له اه . قوله : ( وهو الثواب ) الحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويطلق على الزرع الحاصل منه ، ويستعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من