تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
بالتخفيف والتشديد ، أي لا يحسن به لا
فَكَرِهْتُمُوهُ
أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته ، وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه فاكرهوا الأول
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أي عقابه
شرح
غاية الكراهة ، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان ، وجعل المأكول أخا وميتا وتعقيب ذلك بقوله : فكرهتموه تقريرا وتحقيقا لذلك ، والمعنى إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته اه بيضاوي . وعبارة القرطبي : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا مثّل اللّه الغيبة بأكل الميتة ، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه ، وقال ابن عباس : إنما ضرب اللّه هذا المثل للغيبة لأن أكل لحم الميت حرام في الدين وقبيح في النفوس ، وقال قتادة : كما يمتنع أحدكم من أن يأكل لحم أخيه كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيا ، واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة ، لأن عادة العرب بذلك جارية ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما صام من ظل يأكل لحوم الناس » فشبه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم ، فمن نقص مسلما أو ثلم عرضه فهو كآكل لحمه حيا ، ومن اغتابه فهو كآكل لحمه ميتا اه . قوله : ( بالتخفف والتشديد ) سبعيتان . قوله : ( لا يحس به ) تفسير لميتا ، فالمراد بالميت من لا يحس لأنه في غيبته كالميت من حيث عدم إحساسه بما يقال فيه ، وقوله : به أي يأكل لحمه ، وقوله : لا أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري أي : لا يحب أكل لحم أخيه ولا يرضى به اه شيخنا . قوله :فَكَرِهْتُمُوهُالضمير عائد على الأكل المفهوم من يأكل بدليل قوله : بعد ، وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه ، وعبارة السمين : فكرهتموه قال الفراء : تقديره فكرهتموه فلا تفعلوه ، وقال أبو البقاء : المعطوف عليه محذوف تقديره وعرض عليكم ذلك فكرهتموه ، والمعنى يعرض عليكم فتكرهونه ، وقيل : إن صح ذلك عندكم فأنتم تكرهونه ، فقيل : هو خبر بمعنى الأمر كقوله : اتقى اللّه امرؤ خيرا يثاب عليه اه . قوله : ( أي فاغتيابه في حياته الخ ) أشار بهذا التقدير إلى الكلام من قبيل التمثيل أي التشبيه أي أنه من باب الاستعارة التمثيلية اه شيخنا . وعبارة الخطيب : وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه ، لأن الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض كما يتألم جسمه من قطع اللحم ، وهذا من باب القياس الظاهر ، لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه ، فإذا لم يحسن من العاقل آكل لحوم الإنسان لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأن ذلك أشد ألما ، وقوله : لحم أخيه آكد في المنع ، لأن العدو يحمله الغضب على مضغ لحم عدوه ، وفي قوله ميتا إشارة إلى دفع واهم وهو أن يقال الشتم في الوجه يؤلم فيحرم ، وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه فلا يؤلم ، فيقال : أكل لحم الأخر وهو ميت أيضا لا يؤلم ، ومع هذا هو في غاية القبح لما أنه لو اطلع لتألم ، فإن الميت لو حس بأكل لحمه لآلمه وفيه معنى لطيف ، وهو أن الاغتياب كأكل لحم الآدمي ميتا ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر الحاجة ، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة أو لحم الآدمي لم يأكل لحم الآدمي ، فكذلك المغتاب إن وجد لحاجته معدلا غير الغيبة فلا يباح له الاغتياب ، انتهت .