الحرام
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
هي ليلة القدر ، أو ليلة النصف من شعبان ، نزل فيها من أم
شرح
يجوز أن يكون المراد به القرآن ، واقتصر على ذلك البيضاوي ، وتبعه الجلال المحلي ، وعلى هذا فقد أقسم بالقرآن أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة ، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن ، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم الرجل له إليه حاجة : أتشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك وجاء في الحديث : « أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك » اه .
قوله :إِنَّا أَنْزَلْناهُيجوز أن يكون جواب القسم وأن يكون اعتراضا ، والجواب قوله : إنا كنا منذرين ، واختاره ابن عطية وقيل : إنا كنا مستأنف أو جواب ثان من غير عاطف اه سمين .
وفي الكرخي : قوله : إنا أنزلناه قال الزمخشري وغيره : هذا جواب القسم ، وقال ابن عطية : هو اعتراض متضمن تفخيم الكتاب ، والجواب إنا كنا منذرين ، ورجح الأول بالسبق بكونه من البدائع وبسلامته من الفك اللازم لما اختاره ابن عطية ، فإن قوله :فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍمن بقية الاعتراض وقد تخلل بينهما المقسم عليه اه .
قوله : ( هي ليلة القدر الخ ) عبارة الخطيب : اختلف في قوله تعالى : في ليلة مباركة فقال قتادة ، وابن زيد ، وأكثر المفسرين هي ليلة القدر ، وقال عكرمة ، وطائفة أنها ليلة البراءة ، وهي ليلة النصف من شعبان . واحتج الأولون بوجوه ، الأول : قوله تعالى :إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ[ القدر : 1 ] فقوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة مباركة يجب أن تكون هي تلك الليلة المسماة بليلة القدر لئلا يلزم التناقض .
ثانيها : قوله تعالى :شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ[ البقرة : 185 ] فقوله تعالى هنا إنا أنزلناه في ليلة مباركة يجب أن تكون هذه الليلة المباركة في رمضان ، فثبت أنها ليلة القدر . ثالثها : قوله تعالى :
في صفة ليلة القدر :تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ[ القدر : 4 ] وقال تعالى هنا :فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ،وقال ههنا :رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ،وقال تعالى في ليلة القدر :سَلامٌ هِيَ[ القدر : 5 ] وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى . رابعها : نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال : نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، والتوراة بست ليال منه ، والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت منه ، والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان ، والليلة المباركة هي ليلة القدر . خامسها : أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم لأن قدرها وشرفها عند اللّه عظيم ومعلوم أن قدرها وشرفها ليس بسبب نفس الزمان ، لأن الزمان شيء واحد من الذات والصفات ، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته ، فثبت أن تشريفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم ، ومن المعلوم أن منصب الدين أعظم من مناصب الدنيا وأعظم الأشياء وأشرفها شعبا في الدين هو القرآن . لأنه ثبت به نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل ، كما قال تعالى في صفته :وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ[ المائدة : 48 ] وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات ، فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم منه قدرا وأعلى ذكرا وأعظم منصبا ، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر هي التي وقعت في رمضان علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة وهذا أدلة ظاهرة واضحة . واحتج الآخرون على أنها ليلة النصف من شعبان بوجوه ، أولها : أن لها أربعة أسماء الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الصك ، وليلة الرحمة . ثانيها : أنها مختصة بخمس خصال ، الأولى : قوله