تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
شرعا أي من شأنها ذلك ما دام المرء فيها
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
من
شرح
عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِكأنه قيل : وصل بهم إن الصلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر الخ . ومعنى نهيها عنهما أنها سبب للانتهاء عنهما لأنها مناجاة للّه تعالى ، فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته وإعراض كلي عن معاصيه . قال ابن مسعود ، وابن عباس رضي اللّه عنهم : في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي اللّه تعالى ، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من اللّه تعالى إلا بعدا . وقال الحسن ، وقتادة : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه اه أبو السعود . وقوله : ( ما دام المرء فيها ) التقييد بهذا أحد قولين الآخر أنها تنهي عنهما مطلقا أي : في سائر الأوقات ، فقد روي عن أنس رضي اللّه عنه : أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ارتكبه ، فوصف للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حاله فقال : « إن صلاته ستنهاه » لم يلبث أن تاب وحسن حاله اه أبو السعود . وبيان ذلك أن الصلاة تشغل جميع بدن المصلي ، فإذا دخل المصلي في محرابه خشع وأخبت لربه وتذكر أنه واقف بين يدي مولاه وأنه مطلع عليه وأنه يراه فصلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب اللّه تعالى وظهرت على جوارحه هيئتها ولو بعد خروجه منها ، ولم يكد يفتر عن ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة ، فهذا معنى هذه الآية ، لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون . قلت : لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله فهو أبلغ في المقصود وأتم في المراد ، فإن الموت ليس له سن محدود ولا زمن مخصوص ولا مرض معلوم ، وهذا مما لا خلاف فيه . روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال : إني واقف بين يدي اللّه تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك . فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر ، ومن صلاته قاصرة على الأجزاء أي : إسقاط الطلب عن المكلف ولا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل كصلاتنا ، فتلك تنزل صاحبها من منزلته حيث كان ، فإن كان مرتكبا للمعاصي قد بعد من اللّه بسببها فتلك الصلاة تتركه يتمادى على بعده ، وعلى هذا يتخرج الحديث المروي عن ابن مسعود : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من اللّه إلا بعدا » وليس معناه أن نفس صلاة العاصي تبعده من اللّه حتى كأنها معصية بل معناه أنها لا تؤثر في تقريبه من اللّه بل تتركه في حاله ومعاصيه من الفحشاء والمنكر ، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان بسبيله فكأنها بعدته حيث لم تكف بعده عن اللّه . وقيل لابن مسعود : إن فلانا كثير الصلاة ، فقال : إنها لا تنفع إلا من أطاعها اه قرطبي . قوله :وَلَذِكْرُ اللَّهِأي : بسائر أنواعه من تحميد وتهليل وتسبيح وغير ذلك ، وعبارة الخازن : ولذكر اللّه أكبر أي : إنه أفضل الطاعات . عن أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم » قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : « ذكر اللّه » أخرجه الترمذي . وله عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل : أي العبادة أفضل درجة عند اللّه يوم القيامة ؟ قال : « الذاكرون اللّه كثيرا » قالوا : يا رسول اللّه ومن الغازي في سبيل اللّه ؟
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 75 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي