تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
والوقار
وَاغْضُضْ
اخفض
مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ
أقبحها
لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
( 19 ) أوله زفير ،
شرح
قوله : ( بين الدبيب ) وهو ضعف المشي جدا يقال : دب يدب بالكسر دبيبا اه شيخنا . وفي المصباح : دب الصغير يدب من باب ضرب دبيبا ، ودب الجيش دبيبا أيضا ساروا سيرا لينا اه . قوله :وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَمن تبعيضية ، وعند الأخفش يجوز أن تكون مزيدة ويؤيده قوله :إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ[ الحجرات : 3 ] وقيل : من صوتك صفة لموصوف محذوف أي : شيئا من صوتك ، وكانت الجاهلية يتمدحون برفع الصوت اه سمين . قوله :إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِالخ تعليل للأمر بخفض الصوت على أبلغ وجه وآكده مبني على تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير ، وتمثيل أصواتهم بالنهاق إفراط في التنفير عن رفع الصوت اه أبو السعود . وأنكر قيل : مبني من الفعل المبني للمفعول نحو أشغل من ذات النحيين وهو مختلف فيه اه سمين . وفي الخطيب : فإن قيل : لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي ؟ أجيب : بأن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوته ، وربما يخرق الغشاء الذي في داخل الأذن ، وأما سرعة المشي فلا تؤذي وإن آذت فلا تؤذي غير من في طريقه ، والصوت يبلغ من على اليمين وعلى اليسار ، ولأن المشي يؤذي آلة المشي ، والصوت يؤذي آلة السمع ، وآلة السمع على باب القلب ، فإن الكلام ينقل من السمع إلى القلب ولا كذلك المشي ، وأيضا فلأن قبيح القول أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن ، لأن اللسان ترجمان القلب . ولما كان رفع الصوت فوق الحاجة منكرا كما أن خفضه دونها تماوتا وتكبرا ، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا بمن . فافهم أن الطرفين مذمومان ، علل النهي عن الأول بقوله :إِنَّ أَنْكَرَأي أفظع وأشنع وأوحش الأصوات برفعها فوق الحاجة لصوت الحمير أي : هذا الجنس لما له من العلو المفرط من غير حاجة ، فإن كل حيوان قد يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو لغير ذلك ، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوله زفير وآخره شهيق وهما فعل أهل النار ، وأفرد الصوت ليكون نصا على إرادة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع شرط في ذلك ، وأما الرفع مع الحاجة فغير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستبشع . فإن قيل : كيف ينكر كونه أنكر الأصوات مع أن جر المنشار بالمبرد ، ودق النحاس بالحديد أشد صوتا ؟ أجيب من وجهين ، الأول : أن المراد أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير . قال موسى بن أعين : سمعت سفيان الثوري يقول في قوله تعالى :إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ[ لقمان : 29 ] قال : صياح كل شيء تسبيح اللّه تعالى إلا الحمار . والثاني : أن الصوت الشديد لحاجة ومصلحة لا يستبشع ولا يتأذى به كصوت المنشار بخلاف الصوت الخالي عن الفائدة وهو صوت الحمار اه . وفي القرطبي : لصوت الحمير اللام للتأكيد ووحد الصوت وإن كان مضافا إلى الجماعة لأنه