تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وقت طلوع الشمس
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
مقيما لا يزول بطلوع الشمس
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ
شرح
وبالغ حكمته فيما يشاهدونه ، فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس ، وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلا للأفق الشرق لكنهم لا يعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة اه . وفي القرطبي : قال الحسن وقتادة وغيرهما : مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وقيل : هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها والأول أصح . والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة ، فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة ، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد وتطيب نفوس الأحياء فيها ، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب . وقال أبو العالية : نهار الجنة هكذا وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر اه . قوله :وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناًأي : ثابتا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد اه بيضاوي . وقوله : ( أي ) ثابتا أي دائما غير زائل ، فإن السكنى الاستقرار ، وذلك بأن لا تطلع الشمس أو لا تذهبه وهذا أنسب مما قبله بالامتنان بمد الظل اه شهاب . فالمعنى : ولو شاء لجعله ساكنا أي ثابتا مستقرا لا يذهب عن وجه الأرض ، والمعنى على الثاني ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك حركة انقباض ولا انبساط اه زاده . قوله : ( لا يزول بطلوع الشمس ) أي : بأن لا تطلع فلا يزول ، فالنفي مسلط على مجموع القيد والمقيد ، أو بأن تطلع مسلوبة الضوء على ما تقدم . قوله :ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًاأي : جعلنا الشمس ينسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء لأن الأشياء تعرف بأضدادها ، ولولا الشمس ما عرف الظل ، ولولا النور ما عرفت الظلمة ، فالدليل فعيل بمعنى الفاعل ، وقيل : بمعنى المفعول كالقتيل والدهين والخصيب أي : دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به . أي أتبعناها إياه فالشمس دليل أي حجة وبرهان ، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه ولم يؤنث الدليل وهو صفة للشمس لأنه في معنى الاسم كما يقال : الشمس برهان والشمس حق ، ثم قبضناه أي الظل الممدود إلينا قبضا يسيرا ، أي يسيرا قبضه علينا ، وكلام ربنا عليه يسير فمكث الظل في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرف على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها ، وإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار . وقال قوم : قبضه بغروب الشمس لأنها ما لم تغرب فالظل فيه بقية وإنما يتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه ، وقيل : إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئا فشيئا قاله مالك وإبراهيم التيمي . وقيل : ثم قبضناه أي : قبضنا ضياء الشمس بالفيء قبضا يسيرا . وقيل : يسيرا أي سريعا قاله الضحاك ، وقال قتادة : خفيفا أي : إذ أغربت الشمس قبض الظل قبضا خفيفا كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة وليس يزول دفعة واحدة ، فهذا معنى قول قتادة وهو قول مجاهد اه .