يَفْعَلُ ما يَشاءُ
( 18 ) من الإهانة والإكرام
هذانِ خَصْمانِ
أي المؤمنون خصم والكفار خصم وهو يطلق على الواحد والجماعة
اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
أي في دينه
فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ
شرح
قوله :هذانِ خَصْمانِنزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحرث ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ، وقال ابن عباس : نزلت في المسلمين وأهل الكتاب حيث قال أهل الكتاب : نحن أولى باللّه وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم ، وقال المسلمون : نحن أحق باللّه منكم آمنا بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبنبيكم وبما أنزل اللّه من كتاب ، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا وكفرتم حسدا . وقيل : الخصمان الجنة والنار وهو ضعيف اه خازن .
وفي تذكرة القرطبي : روى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « احتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون ، وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين ، فقال اللّه تعالى لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء ، وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها » وخرجه مسلم والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . ومعنى احتجت النار والجنة أي :
حجت كل واحدة منهما صاحبتها وخاصمتها اه .
قوله : ( أي المؤمنون خصم ) ليس في هذا التركيب الإخبار بالمفرد عن الجمع لما ذكر الشارح أنه يطلق على الواحد والجماعة أي : بلفظ واحد ، وقد يعبر فيه بلفظ الجمع والتثنية . وفي السمين :
الخصم في الأصل مصدر وذلك يوحد ويذكر غالبا ، وعليه قوله تعالى :وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ[ ص : 21 ] ويجوز أن يثنى ويؤنث وعليه هذه الآية ، ولما كان كل خصم فريقا يجمع طوائف قال اختصموا بصيغة الجمع كقوله تعالى :وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا[ الحجرات : 9 ] فالجمع مراعاة للمعنى ، وقوله :فَالَّذِينَ كَفَرُواهذه الجملة تفصيل وبيان لفصل الخصومة المعني بقوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِوعلى هذا فيكون قوله : هذان خصمان معترضا ، والجملة من اختصموا حالية وليست مؤكدة لأنها أخص من مطلق الخصومة المفهومة من خصمان اه .
قوله : ( أي في دينه ) يعني أن بعضهم أثبته وبعضهم أنكره اه شيخنا .
وأشار بذلك إلى أن في ربهم على حذف مضاف . قال أبو حيان : والظاهر أن الاختصام وهو في الآخرة بدليل التقسيم بالفاء الدالة على التعقيب في قوله :فَالَّذِينَ كَفَرُوا ،ولذلك قال علي رضي اللّه عنه : أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي اللّه تعالى ، وإن قلنا هذا الحكم والفصل في الدنيا لا في يوم القيامة ، فالجواب : أنه لما كان تحقيق مضمونه في ذلك اليوم صح جعل يوم القيامة ظرفا له بهذا الاعتبار اه كرخي .
قوله :قُطِّعَتْ لَهُمْالخ أي : قدرت لهم على قدر جثثهم ، لأن الثياب الجدد تقطع وتفصل على مقدار بدن من يلبسها ، فالتقطيع مجاز عن التقدير بذكر المسبب وهو التقطيع وإرادة السبب وهو التقدير والتخمين ، والظاهر أنه بعد ذلك جعل تقطيعها استعارة تمثيلية تهكمية شبه إعداد النار وإحاطتها بهم بتفصيل ثياب لهم ، وجمع الثياب لأن النار لتراكمها عليهم كالثياب الملبوس بعضها فوق بعض ، وهذا