تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
النَّاسِ
بعبادتهم لها
فَمَنْ تَبِعَنِي
على التوحيد
فَإِنَّهُ مِنِّي
من أهل ديني
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ
شرح
قوله :وَمَنْ عَصانِيشرط ومحله رفع بالابتداء ، والجواب : فإنك غفور رحيم . والعائد محذوف أي : له اه سمين . قوله : ( هذا ) أي : قولهوَمَنْ عَصانِيالخ . وفي الخازن : قال السدي : معناه ومن عصاني ثم تاب فإنك غفور رحيم . وقال مقاتل : ومن عصاني فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم ، وشرح ابن الأنباري هذا فقال : ومن عصاني فخالفني في بعض الشرائع وعقد التوحيد فإنك غفور رحيم ، إن شئت أن تغفر له ، وهذا إذا كان مسلما . وذكر وجهين آخرين ، أحدهما : أن هذا كان قبل أن يعلمه اللّه انه يغفر الشرك كما استغفر لأبويه ، وقد تقرر أن ذلك غير محظور ، فلما عرف أنهما غير مغفور لهما تبرأ منهما . والوجه الآخر : قوله :وَمَنْ عَصانِيأي : بإقامته على الكفرفَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .يعني : إنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام وتهديه إلى الصواب . فإن قلت : قد توجه على هذه الآية إشكالات وهي من وجوه ، الأول : أن إبراهيم دعا ربه أن يجعل مكة آمنا ، ثم إن جماعة من الجبابرة وغيرهم قد أغاروا عليها وأخافوا أهلها . الوجه الثاني : أن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام معصومون من عبادة الأصنام ، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله اجنبني عن عبادتها . الوجه الثالث : أن إبراهيم سأل ربه أيضا أن يجنب بنيه عن عبادة الأصنام ، وقد وجد من بنيه كثير ممن عبد الأصنام مثل كفار قريش وغيرهم ممن ينسب إلى إبراهيم عليه الصلاة والسّلام . قلت : الجواب عن الوجوه المذكورة من وجوه . فالجواب عن الوجه الأول من وجهين ، أحدهما : أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء ، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب ، وهذا موجود بحمد اللّه ، فلم يقدر أحد على تخريب مكة . وأورد على هذا ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة » أخرجاه في الصحيحين . وأجيب عنه بأن قوله :اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناًيعني إلى قرب القيامة وخراب الدنيا ، وقيل : هو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين فلا تعارض بين النصين . الوجه الثاني : أن يكون المراد اجعل هذا البلد ذا أمن وهذا الوجه عليه أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم ، وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم ، كما أخبر اللّه تعالى بقوله : ويتخطف الناس من حولهم وأهل مكة آمنون من ذلك ، حتى أن من التجأ إلى مكة أمن من على نفسه وماله ، وحتى إن الوحوش إذا كانت خارجة عن الحرم استوحشت ، وإذا كانت داخل الحرم استأنست لعلمها أنه لا يهيجها أحد في الحرم ، وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد اللّه بمكة وحرمها . وأما الجواب عن الوجه الثاني : فمن وجهين أيضا ، الأول : إن دعاء إبراهيم لنفسه لزيادة العصمة والتثبيت ، فهو كقوله :وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ[ البقرة : 128 ] . الوجه الثاني : أن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وان كان يعلم إن اللّه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه دعا بهذا الدعاء هضما للنفس واظهارا للعجز والحاجة والفاقة إلى فضل اللّه ورحمته ، وإن أحدا لا يقدر على نفع نفسه بشيء لم ينفعه