يقول الحق جل جلاله :
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ
، وهم الذين وصفوا بقوله تعالى :
يا عِبادِ فَاتَّقُونِ
« 1 » ، ووصفوا بالاجتناب والإنابة ، وحصل لهم البشرى ، حيث استمعوا وتبعوا أحسن القول ، وهم المخاطبون أيضا بقوله :
يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ
« 2 » . . . الآية .
فبيّن هنا أن لهم درجات عالية في جنات النّعيم ، في مقابلة ما للكفرة من دركات سافلة في الجحيم ، فهي في مقابلة قوله لهم :
مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ
في حق الكفار ، أي : لكن أهل التقى لهم علالى ، بعضها فوق بعض
مَبْنِيَّةٌ
بناء المنازل المؤسسة على الأرض في الرّصانة والإحكام .
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
أي :
من تحت تلك الغرف
الْأَنْهارُ
من غير تفاوت بين العلو والسفل .
وَعْدَ اللَّهِ
أي : وعد اللّه ذلك وعدا ، فهو مصدر مؤكد لقوله :
لَهُمْ غُرَفٌ
فإنه في قوة الوعد .
لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ
لاستحالته عليه سبحانه .
الإشارة : من اتقى اللّه فيما أمر ونهى ، كانت له درجات حسية ، مبنية من الذهب والفضة ، يترقى فيها على قدر عمله وتقواه . ومن اتقى ما يشغل عن اللّه من جنس الكائنات ، كانت له درجات ومقامات معنوية ، قربية اصطفائية ، يرتقى فيها بقدر تقواه وسعيه إلى مولاه ، وعد اللّه لا يخلف اللّه الميعاد . قال القشيري : وعد المطيعين الجنة - ولا محالة - لا يخلفه ، ووعد المذنبين المغفرة ، ولا محالة - يغفر لهم ، ووعد المريدين القاصدين بالوصول ، فإذا لم تقع لهم فترة ؛ فلا محالة يصدق وعده . ه .
ثم برهن على ما أوعد ووعد مما يكون بعد البعث من آثار قدرته ، فقال :
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 21 ]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 21 )
يقول الحق جل جلاله :
أَ لَمْ تَرَ
أيها السامع
أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
هو المطر ، وقيل : كل ماء في الأرض فهو من السماء ، ينزل منها إلى الصخرة ، فيقسمه اللّه تعالى بين البقاع .
فَسَلَكَهُ
: أدخله ونظمه
يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
أي : عيونا ومجارى في الأرض ، كجرى الدماء في العروق في الأجساد ، أو : مياها
هامش
( 1 ) من الآية 16 من السورة .
( 2 ) من الآية 10 من سورة الزمر .