تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
مشاهدة حضرة العلى الكبير ، وهي حضرة الذات ، فمن خسر هذا الخسران ، فقد أحاطت به نار القطيعة والحجاب من كل مكان .
ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ
قال القشيري : إن خفت اليوم كفيت خوف ذلك اليوم ، وإلا فبين يديك عقبة كؤود . ثم ذكر ضد أهل الخسران ، فقال :

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 17 إلى 18 ]

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 ) قلت :
أَنْ يَعْبُدُوها
: بدل اشتمال من « الطاغوت » ، والطاغوت : فعلوت ، من الطغيان ، بتقديم اللام على العين ، وأصله : طغيوت ، ثم طيغوت ، ثم طاغوت . يقول الحق جل جلاله :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ
أي : البالغ [ أقصى ] « 1 » غاية الطغيان ، وهو الشيطان
أَنْ يَعْبُدُوها
أي : اجتنبوا عبادة الطاغوت ، الذي هو الشيطان ، أو : كل ما عبد من دون اللّه ، وكلّ من عبد غير اللّه فإنما عبد الشيطان ؛ لأنه هو المزيّن لها ، والحامل عليها .
وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ
أي : وأقبلوا إليه ، معرضين عما سواه ، إقبالا كليا ،
لَهُمُ الْبُشْرى
بالنعيم المقيم ، على ألسنة الرّسل والملائكة ، عند حضور الموت ، وحين يحشرون ، وبعد ذلك .
فَبَشِّرْ عِبادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
أي : ما نزل من الوحي
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
؛ أرجحه وأكثره ثوابا ، أو : أبينه ، الذي هو ضد المتشابه . وهؤلاء هم الموصوفون باجتناب الطاغوت ، والإنابة إلى ربهم ، لكن وضع موضع ضميرهم الظاهر ؛ تشريفا لهم بالإضافة ، ودلالة على أن مدار اتصافهم بالوصفين الجليلين كونهم نقادا في الدين ، يميّزون الحق من الباطل ، ويؤثرون الأفضل .
أُولئِكَ
المنعوتون بتلك المحاسن الجملية ؛ هم
الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ
لدينه ، والإشارة إليهم باعتبار اتصافهم بما ذكر من النّعوت الجليلة ، وما فيه من معنى البعد ؛ للإيذان بعلو رتبهم ، وبعد منزلتهم في الفضل .
هامش
( 1 ) في الأصول [ في أقصى ] .