تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
ثم قال : ويقال : إن المؤمن بقوة عقله يوجب [ استقلاله بعمله ] « 1 » إلا أن يبرز منه كمال يمكّنه من وفارة بصيرته ، ثم إذا بدت لائحة من سلطان المعارف تصير تلك [ الأبواب ] « 2 » مغمورة ، فإذا بدت أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة كذلك ، وأنشدوا :
فلمّا استبان الصبح أدرج ضوءه * بأنواره ضوء الكواكب « 3 » . ه .
قلت : استقلال العبد بعمله هو مثل بروز الزرع من منبته ، ووفور بصيرته هو إخراج حبه في سنبله ، وبدو لائحة من سلطان المعارف هو اصفراره ، وظهور أنوار التوحيد التي تفنى وجوده وتغمره في وجود الحق هو صيرورتها حطاما ، فتأمل . وهذا كله نتيجة شرح الصدر الذي أشار إليه بقوله :

[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 22 ]

أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 22 ) قلت : الهمزة للإنكار ، و
مِنْ
: مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : كمن ليس كذلك . يقول الحق جل جلاله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ
أي : وسّعه وهيّاه
لِلْإِسْلامِ
حتى قبله وفرح به ، واستضاء بنوره ،
فَهُوَ عَلى نُورٍ
عظيم
مِنْ رَبِّهِ
، وبصيرة في دينه ، وهذا النّور : هو اللطف الإلهى الفائض عليه عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية ، والتوفيق للاهتداء بها ، أو : بمحض الإلهام من الجود والكرم ، فيقذف في قلبه نور اليقين ، بلا سبب ، أو : بصحبة أهل النّور ، هل يكون هذا كمن قسا قلبه ، وحرج صدره ، واستولى عليه ظلمة الغى والضلالة ، فأعرض عن تلك الآيات بالكلية ؟ ! ولما نزلت هذه الآية سئل صلّى اللّه عليه وسلم عن الشرح المذكور ، فقال : « نور يقذفه اللّه في القلب ، فإذا دخل النّور القلب انشرح وانفسح » قيل : وهل لذلك علامة ؟ قال : « نعم التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله » « 4 » .
هامش
( 1 ) في القشيري : [ استفادة له بعلمه ] ( 2 ) في القشيري ( الأنوار ) . ( 3 ) أنشده أبو العباس السهارى . كما في طبقات الأولياء ( 367 ) . وجاء في طبقات الصوفية للسلمى ( 447 ) : أنشده أبو العباس السياري ، واسمه : القاسم بن القاسم بن مهدي . ( 4 ) أخرجه البغوي في تفسيره ( 7 / 114 ) والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، في ( الأصل السادس والثمانين ) والحاكم في المستدرك ( 4 / 411 ) وسكت عنه . والبيهقي في الشعب ( ح 10552 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه .