تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
نابعة في ظهرها ، فإن الينبوع يطلق على المنبع والنّابع . فنصب « ينابيع » على الحال ، على القول الثاني ، وعلى نزع الخافض ، على الأول .
ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ
: أصنافه ، من بر وشعير وغيرهما ، أو : كيفياته من الألوان ، كالصفرة والخضرة والحمرة ، والطعوم وغيرهما . و
ثُمَّ
: للتراخى في الرّتبة والزمان ، وصيغة المضارع : لاستحضار الصورة البديعة ،
ثُمَّ يَهِيجُ
أي : يتم جفافه ، ويشرف على أن يثور من منابته ، ويستقل على وجه الأرض ، ساترا لها ،
فَتَراهُ مُصْفَرًّا
من بعد خضرته ونضرته ،
ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً
؛ فتاتا متكسرة ، كأن لم يغن بالأمس ، فمن قدر على هذا قدر على إنشاء الخلق بعد فنائهم ومجازاتهم . وقيل : المراد من الآية : تمثيل الحياة الدنيا ، في سرعة الزوال ، وقرب الاضمحلال ، بما ذكر من أحوال الزرع ، ترغيبا عن زخارفها وزينتها ، وتحذيرا من الاغترار بمن سرّ بها ، كما في قوله تعالى :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
« 1 » . . . الآية ، وقيل : للاستشهاد على تحقق الموعود من الأنهار الجارية من تحت الغرف ، بما يشاهد من إنزال المياه من السماء ، وما يترتب عليه من آثار قدرته تعالى ، وإحكام حكمته ورحمته .
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي : ما ذكر تفصيلا من إنزال الماء وما نشأ عنه .
لَذِكْرى
: لتذكيرا عظيما
لِأُولِي الْأَلْبابِ
: لأصحاب العقول الخالصة من شوائب الهوى ، فيتذكرون بذلك أن الحياة الدنيا في سرعة التقضي والانصرام ، كما يشاهدونه من حال الحكام كل عام ، فلا يغترون ببهجتها ، ولا يفتنون بفتنتها . أو : يجزمون بأن من قدر على إنزال الماء من السماء ، وإجرائه في ينابيع الأرض ، قادر على إجراء الأنهار من تحت الغرف . وأما ما قيل : من أنه استدلال على وجود الصانع ؛ فلا يليق ؛ لأن هذه الأفعال الجليلة ذكرت مسندة إلى اللّه تعالى ؛ وإنما يليق الاستدلال بها على وجود الصانع لو ذكرت غير مسندة إلى مؤثر ، فتعيّن أن يكون متعلق التذكير والتنبيه شؤونه تعالى وشؤون آثاره ، كما بيّن ، لا وجوده تعالى . قاله أبو السعود . الإشارة : قال القشيري : والإشارة في هذا أن الإنسان يكون طفلا ، ثم شابا ، ثم كهلا ، ثم شيخا ، ثم يصير إلى أرذل العمر ، ثم إلى آخره يخترم ، ويقال : إن الزرع ما لم يأخذ في الجفاف لا يؤخذ منه الحبّ ، الذي هو المقصود منه ، كذلك الإنسان مالم [ يخل ] « 2 » من نفسه وحوله لا يكون له قدر ولا قيمة . قلت : يعنى أنه ما لم يمحص نفسه ، وينهكها في التقرب إلى مولاه ، لا قيمة له .
هامش
( 1 ) الآية 24 من سورة يونس . ( 2 ) في القشيري : [ يحصل ] .