تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
ما
بمعنى
مِنْ
، كقوله تعالى :
وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
« 1 » ، أو : إيذانا بأن نسيانه بلغ به إلى حيث لا يعرف ما يدعوه ، وهو كقوله تعالى :
عَمَّا أَرْضَعَتْ
« 2 » .
وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً
: شركاء في العبادة ؛
لِيُضِلَّ
« 3 » بذلك
عَنْ سَبِيلِهِ
الذي هو التوحيد . أي : ليضل غيره ، أو : ليزداد ضلالا ، أو : يثبت عليه ، على القراءتين ، وإلا ؛ فأصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور . واللام للعاقبة ، كما في قوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
« 4 » غير أن هذا أقرب للحقيقة ؛ لأن الجاعل هنا قاصد بجعله المذكور حقيقة الإضلال والضلال ، وإن لم يعرف ؛ لجهله أنهما إضلال وضلال ، وأما آل فرعون فهم غير قاصدين بالتقاطهم العداوة أصلا . قاله أبو السعود .
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا
أي : تمتعا قليلا ، أو : زمانا قليلا في الدنيا ، وهو تهديد لذلك الضال المضل ، وبيان لحاله ومآله .
إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
أي : من ملازميها ، والمعذّبين فيها على الدوام ، وهو تعليل لقلة التمتع . وفيه من الإقناط من النّجاة ما لا يخفى ، كأنه قيل : إذا أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة ، فمن حقك أن تؤمر بتركه لتذوق عقوبته . الإشارة : الصفة الممدوحة في الإنسان : أن يكون إذا مسّه الضر التجأ إلى سيده ، مع الرّضا والتسليم ، فإذا كشف عنه شكر اللّه وحمده ، ودام على شكره ، ونسب التأثير إلى الأسباب والعلل ، وهو صريح الآية . وباللّه التوفيق . ثم ذكر حال من شكر ، فقال :

[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 9 ]

أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 9 ) يقول الحق جل جلاله :
أَمَّنْ
« 5 »
هُوَ قانِتٌ
أي : مطيع ، قائم بواجب الطاعات ، دائم على أداء وظائف العبادات ،
آناءَ اللَّيْلِ
أي : في ساعات الليل ، حالتي السراء والضراء ، كمن ليس كذلك ، بل إنما يفزع إلى اللّه
هامش
( 1 ) الآية 3 من سورة الليل . ( 2 ) من الآية 2 من سورة الحج . ( 3 ) قرأ الجمهور : « ليضل » بضم الياء ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بفتحها . انظر الإتحاف ( 2 / 427 ) والبحر المحيط ( 7 / 401 ) . ( 4 ) الآية 8 من سورة القصص . ( 5 ) قرأ نافع ، وابن كثير ، وحمزة : بتخفيف الميم ، على أنها موصولة ، دخلت عليها همزة الاستفهام التقريرى ، ومقابله محذوف ؛ لفهم المعنى ، والتقدير : أمن هو قانت . إلخ كمن جعل للّه أندادا . وقرأ الباقون بالتشديد . والتوجيه ذكره الشيخ المفسر - رحمه اللّه . انظر : إتحاف فضلاء البشر ( 2 / 428 ) .