تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
وقال في القوت : هذه الذنوب تدخل على النّفوس من معاني صفاتها ، وغرائز جبلاتها ، وأول إنشائها من نبات الأرض ، وتركيب الأطوار في الأرحام ، خلق من بعد خلق ، ومن اختلاط الأمشاج بعضها مع بعض ، ولذلك عقبه بقوله :
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ . . .
الآية . ه . ثم قال تعالى :
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
، فاكتفوا بعلمه عن علم النّاس ، وبجزائه عن ثناء النّاس . وباللّه التوفيق . الإشارة : وللّه ما في سماوات الأرواح من أنوار الشهود ، وما في أرض النّفوس من آداب العبودية ، رتّب ذلك ليجزى الذين أساءوا بوقوفهم مع أرض النّفوس في العالم المحسوس ، ويجزى الذين آمنوا بترقيهم إلى مقام الإحسان ، بالحسنى ، وهي المعرفة ، حيث ترقّوا من أرض الأشباح إلى عالم سماء الأرواح ، وهم الذين يجتنبون كبائر الإثم ، وهو شهود وجودهم مع وجود الحق محبوبهم ، ووقوفهم مع عالم الحس ، والفواحش ، وهو اعتراضهم على اللّه فيما يبرز من عنصر قدرته ، وتصغيرهم شيئا مما عظّم اللّه ، إلا اللمم ؛ خواطر تخطر ولا تثبت . قال القشيري : كبائر الإثم ثلاث ؛ محبة النّفس الأمّارة ، ومحبة الهوى النّافخ في نيران النّفس ، ومحبة الدنيا ، التي هي رأس كلّ خطيئة ، ولكلّ واحدة من هذه الثلاث فاحشة لازمة لها ، أما فاحشة محبة النّفس : فموافقة الطبيعة ومخالفة الشريعة ، وأما فاحشة محبة الهوى : فحب الدنيا وشهواتها ، وأما فاحشة محبة الدنيا فالإعراض عن اللّه ، والإقبال على ما سواه . وقوله
إِلَّا اللَّمَمَ
أي : الميل اليسير إلى الهوى والنّفس والدنيا ، بحسب ضرورته البشرية ؛ من استراحة البدن ، ونيل قليل من حظوظ الدنيا ، بحسب الحقوق ، لا بحسب الحظوظ ، فإنّ مباشر الحقوق مغفور ، ومباشر الحظوظ مغرور . ه .
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ
يستر العيوب ، ويوصل إلى حضرة الغيوب . هو أعلم بكم إذ أنشأكم من أرض البشرية ، ورقّاكم إلى عالم الرّوحانية ، وإذ أنتم أجنة في أول بدايتكم في بطون أمهاتكم ، في بطون الهوى والغفلة ، ودائرة الكون ، فأخرجكم منها بمحض فضله ، فلا تزكّوا أنفسكم ، فتنظروا إليها بعين الرّضا ، أو تنسبوا إليها شيئا من الكمالات قبل صفائها . قال القشيري : تزكية المرء نفسه علامة كونه محجوبا ؛ لأنّ المجذوب عن بقائه ، المستغرق في شهود ربّه ، لا يزكّى نفسه . ه . قلت : هذا ما دام في السير ، وأما إن حصل له الوصول ؛ فلا نفس له ، وإنما يزكّى ربه إذا زكّاها ، هو أعلم بمن اتقى ما سواه .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 512 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان