تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
عليه الوعيد بخصوصه . قال ابن عطية : وتحرير القول في الكبائر : أنها كلّ معصية يوجد فيها حدّ في الدنيا ، أو توعّد عليها بنار في الآخرة ، أو بلعنة ونحوها . وقرأ الأخوان : ( كبير الإثم ) على إرادة الجنس ، أو الشرك ،
وَ
يجتنبون
الْفَواحِشَ
وهو ما فحش من الكبائر ، كأنه قيل : يجتنبون الكبائر وما فحش منها خصوصا ، فيحتمل أن يريد بالكبائر : ما فيه حق اللّه وحده ، والفواحش منها : ما فيه حق اللّه وحق عباده ،
إِلَّا اللَّمَمَ
أي : إلا ما قلّ وصغر ، فإنه مغفور لمن يجتنب الكبائر ، وقيل : هي النّظرة والغمزة والقبلة ، وقيل : الخطرة من الذنب ، وقيل : كل ذنب لم يجعل اللّه فيه حدّا ولا عذابا . والاستثناء منقطع ؛ لأنه ليس من الكبائر ولا من الفواحش .
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ
حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر ، أو : حيث يغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة ، وهذا أحسن ،
هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ
في ضمن إنشاء أبيكم آدم عليه السّلام
مِنَ الْأَرْضِ
إنشاء إجماليا ، حسبما مرّ تحقيقه مرارا ،
وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ
أي : يعلم وقت كونكم أجنة
فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
على أطوار مختلفة ، لا يخفى عليه حال من أحوالكم ، ولا عمل من أعمالكم .
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
؛ فلا تنسبوها إلى زكاء الأعمال ، وزيادة الخير والطاعات ، أو : إلى الزكاة والطهارة من المساوئ ، ولا تثنوا عليها ، واهضموها ، فقد علم اللّه الزكىّ منكم والتقىّ ، قبل أن يخرجكم من صلب آدم ، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم . وقيل : كان ناس يعملون أعمالا حسنة ، ثم يقولون : صلاتنا وصيامنا وحجّنا ، فنزلت . وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرّياء ، لا على سبيل الاعتراف بالنعمة ، والتحدث بها ، فإنه جائز ؛ لأن المسرة بالطاعة طاعة ، وذكرها شكرها . والأحسن في إيراد الاعتراف والشكر أن يقدم ذكر نقصه ، فيقول مثلا : كنا جهالا فعلّمنا اللّه ، وكنا ضلّالا فهدانا اللّه ، وكنا غافلين فأيقظنا اللّه ، وهكذا فنحن اليوم كذا وكذا . قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون نهيا عن أن يزكّى بعض النّاس بعضا ، وإذا كان هذا ، فإنما ينهى عن تزكية السّمع « 1 » ، أو القطع بالتزكية ، ومن ذلك الحديث في « عثمان بن مظعون » عند موته « 2 » ، وأما تزكية القدوة أو الإمام ، أو أحدا ، ليؤتم به أو ليتهمّم النّاس بالخير ، فجائز ، وقد زكّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أبا بكر وغيره ، وكذلك تزكية الشهود في الحقوق جائزة ؛ للضرورة إليها ، وأصل التزكية : التقوى ، واللّه تعالى أعلم بتقوى النّاس منكم . ه « 3 » .
هامش
( 1 ) في ابن عطية : السمعة والمدح للدنيا . ( 2 ) حديث عثمان بن مطعون رضي اللّه عنه - سبق ذكره وتخريجه عند التعليق على إشارة الآية 9 من سورة الأحقاف ، فراجعه إن شئت . ( 3 ) ببعض المعنى