تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
وَلَقَدْ رَآهُ
أي : رأى محمد جبريل على صورته الأصلية ، أو : رأى ربه على تجل خاص وتعرف تام ،
نَزْلَةً أُخْرى
؛ مرّة أخرى ، والحاصل : أنه عليه السّلام رأى ربه بتجل خاص جبروتي مرتين ، عند خرق الحجب العلوية فوق العرش ، عند السدرة ، وأما رؤيته عليه السّلام للّه تعالى في مظاهر الكائنات ففي كلّ حين ، لا يغيب عنه طرفة عين . والنّزلة : فعلة من النّزول ، نصب نصب الظرف الذي هو « مرّة » .
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
، الجمهور : أنها شجرة النّبق في السماء السابعة ، عن يمين العرش ، وتسميتها المنتهى ؛ إما لأنها في منتهى الجنة وآخرها ، أو : لأنها لم يجاوزها أحد ، وإليها ينتهى علم الخلائق ، ولا يعلم أحد ما وراءها ، أو : إليها ينتهى أرواح الخلائق ، أو : أرواح الشهداء ، وفي الحديث : « أنها شجرة يسير الرّاكب في ظلها ألف عام ، لا يقطعها ، والورقة منها تظل الأمّة ، وتمرها كالقلال الكبار » . « 1 »
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى
أي : الجنة التي يصير إليها المتقون ويأوون إليها ، أو : تأوى إليها أرواح الشهداء والصدّيقين والأنبياء . قال ابن جزى : يعنى أن الجنة التي وعد اللّه بها عباده هي عند سدرة المنتهى ، وقيل : هي جنة أخرى ، والأول أظهر وأشهر . ه . ويؤيده ما في الحديث : « إن النّيل والفرات يخرجان من أصلها » وهما من الجنة ، كما في الصحيح « 2 » .
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
، ظرف للرؤية ، أي : لقد رآه عند السدرة وقت ما غشيها ما غشيها ، مما لا يكتنهه الوصف ، ولا يفي به البيان ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ، استحضارا لصورتها البديعة ، أو للإيذان باستمرار الغشيان وتجدده ، وقيل : يغشاها الجمّ الغفير من الملائكة ، يعبدون اللّه تعالى عندها ، وقيل : يزورونها متبركين بها ، كما يزور النّاس الكعبة ، وقيل : يغشاها فراش من ذهب ، والفراش - بفتح الفاء - ما يطير ويضطرب .
ما زاغَ الْبَصَرُ
أي : بصر محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، أي : ما عدل عن رؤية العجائب التي مكّن من رؤيتها ،
وَما طَغى
؛ وما جاوز ما أمر برؤيته ،
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى
أي : واللّه لقد رآى من عجائب الملكوت وأسرار الجبروت وما لا يفي به نطاق العبارة ، وقد دونت هنا كتب في عجائب ما رآه صلّى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج . الإشارة : أقسم اللّه تعالى بنجم العلم إذا طلع في أفق سماء القلوب الصاحية ، إنّ هذا القلب الذي طلع فيه نجم العلم باللّه ، وأشرقت عليه شمس الحقائق ، لا يضل صاحبه ولا يغوى ، وما ينطق عن الهوى ؛ لأنه مستغرق في شهود الحق ، لا يتجلى فيه إلا الحق ، ( إن هو ) أي : ما يتجلى فيه إلا وحي يوحى من قبل الإلهام الإلهى ، علّمه شديد القوى ، وهو الوارد الرّبانى ، ذو مرة وشدة ؛ لأنه من حضرة قهّار ، ولا يصادم شيئا إلا دفعه ، فاستوى وهو بالأفق
هامش
( 1 ) جزء من حديث الإسراء الطويل ، وأخرجه البخاري في ( بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ، ح 3207 ) ومسلم في ( الإيمان ، باب الإسراء رقم 264 ، ح 164 ) عن أنس ، عن مالك بن صعصعة ، وفيه : « ورفعت لي سدرة المنتهى ، فإذا نبقها كأنه قلال هجر ، وورقها كأنه آذان الفيول ، في أصلها أربعة أنهار ، نهران باطنان ، ونهران ظاهران ، فسألت جبريل ، فقال : « أما الباطنان ففي الجنة ، وأما الظاهران النّيل والفرات . . » الحديث . ( 2 ) قوله : « هما في الجنة كما في الصحيح » يشير الشيخ - رحمه اللّه - إلى ما أخرجه مسلم في ( الجنة ، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة ح 2839 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « سيحان وجيحان والنّيل والفرات كلّ من أنهار الجنة » .