تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
وَهُوَ
أي : جبريل
بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
؛ أفق الشمس ، أي : مطلعها ،
ثُمَّ دَنا
جبريل من النّبى صلّى اللّه عليه وسلم
فَتَدَلَّى
أي : زاد في القرب ، أو : استرسل من الأفق مع تعلق به . يقال : تدلت الشجرة ، ودلّى رجله من السرير ، وأدلى دلوه ، والدوالي : الثمر المعلّق .
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ
أي : مقدار قوسين عربيين . وألقاب : المقدار . قال قتادة وغيره : معناه : من طرف العود إلى طرفه الآخر . وقال مجاهد والحسن : من الوتر إلى العود في وسط القوس ، أي : فكان بين جبريل والنّبى صلّى اللّه عليه وسلم مقدار قوسين ،
أَوْ أَدْنى
في تقديركم ، كقوله :
أَوْ يَزِيدُونَ
« 1 » وهذا لأنهم خوطبوا على لغتهم وفهمهم ، وهم يقولون : هذا مقدار قوسين أو أدنى .
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
أي : فأوحى اللّه تعالى إلى عبده بواسطة تجلى جبريل ( ما أوحى ) من الأمور العظيمة التي لا تفي بها العبارة ، وقيل : أوحى إليه : « أنّ الجنة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها ، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك » ويمكن حمل الآية على قصة المعراج ، أي : ( علّمه شديد القوى ) وهو اللّه تعالى ، ( ذو مرة ) أي : شدة ومتانة ، ومنه : اسمه « المتين » ، ( فاستوى ) بنوره أي : تجلى بنور ذاته من ناحية الأفق ، أي : العلو ( فتدلى ) ذلك النّور ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) وفي البخاري : « فدنا ربّ العزة دنو يليق بجلاله ومجده » ويرجع لتجليه لنبيه ، وتنزله له ، وتعرّفه له ، وفي حديث الإسراء عنه - عليه الصلاة والسّلام : « سمع النّداء من العلي الأعلى : أدن يا خير البرية ، أدن يا محمد ، فأدناني ربى حتى كنت كما قال تعالى :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
» . قال القشيري : ويقال : كان بينه وبين ربه قدر قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى .
ما كَذَبَ الْفُؤادُ
أي : فؤاد محمد عليه السّلام
ما رَأى
أي : ما رآه ببصره من صورة جبريل على تلك الكيفية ، أو : من نور الحق تعالى الذي تجلى له ، أي : ما قال فؤاده لمّا رآه : لم أعرفك ، ولو قال ذلك لكان كاذبا ؛ لأنه عرفه بقلبه ، كما عرفه ببصره ، وقيل : على إسقاط الخافض ، أي : ما كذب القلب فيما رآه البصر ، بل ما رآه ببصره حققه ، وفي الحديث : سئل صلّى اللّه عليه وسلم هل رأيت ربك ؟ قال : « رأيت ربى بفؤادي مرتين » « 2 » ، حديث آخر : « جعل نور بصرى في فؤادي ، فنظرت إليه بفؤادي » « 3 » ، يعنى أنه انعكس نور البصر إلى نور البصيرة فرأى ببصره ما رأته البصيرة ، وجاء
هامش
( 1 ) من الآية 147 من سورة الصافات . ( 2 ) أخرجه الطبري ، وعزاه السيوطي في الدر ( 6 / 160 ) لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن بعض أصحاب النّبى صلّى اللّه عليه وسلم . وأخرج مسلم في ( الإيمان ، باب معنى قول اللّه عز وجل :وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى . .رقم 284 ح 176 ) عن ابن عباس ، قال : « رآه بفؤاده مرتين » . ( 3 ) أخرجه بطوله ، الطبري ، عن ابن عباس ، في رواية لحديث « اختصام الملأ الأعلى في الدرجات والكفارات » . قال ابن كثير في التفسير ( 4 / 251 ) : « إسناده ضعيف » .