تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
وقال الفخر : أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغى والضلال ، والفرق بينهما : أنّ الغى في مقابلة الرّشد ، والضلال أعم منه ، والاسم من الغى : الغواية - بالفتح - والحاصل : أنّ الغى أقبح من الضلال ، إذ لا يرجى فلاحه . وإيراده صلّى اللّه عليه وسلم بعنوان صاحبهم للإيذان بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة ، وإحاطتهم خبرا ببراءته - عليه الصلاة والسّلام - مما نفى عنه بالكلية ، وباتصافه - عليه الصلاة والسّلام - بغاية الهدى والرّشد ؛ فإنّ كون صحبتهم له صلّى اللّه عليه وسلم ، ومشاهدتهم لمحاسن شؤونه العظيمة مقتضية لذلك حتما . وتقييد القسم بوقت الهوى ؛ لأن النّجم لا يهتدى به الساري إلا عند هبوطه أو صعوده ، وأما ما دام في وسط السماء فلا يهتدى به ، ولا يعرف المشرق من المغرب ، ولا الشمال من الجنوب . ثم قال :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
أي : وما يصدر نطقه بالقرآن أو غيره عن هواه ورأيه أصلا ،
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
من اللّه تعالى
يُوحى
إليه ، وهي صفة مؤكدة لوحى ، لرفع المجاز ، مفيدة لاستمرار التجدد للوحي ، واحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء - عليهم السّلام - ويجاب بأن اللّه تعالى إذا سوّغ لهم الاجتهاد وقررهم عليه كان كالوحى ، لا نطقا عن الهوى .
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
أي : ملك شديد قواه ، وهو جبريل عليه السّلام ، فإنه الواسطة في إيراد الوحي إلى الأنبياء ، ومن قوته أنه خلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى ، وحملها على جناحه ، ورفعها إلى السماء ثم قلبها ، وصاح صيحة بثمود ، فأصبحوا جاثمين ، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من لحظة .
ذُو مِرَّةٍ
أي : ذو خصابة « 1 » في عقله ، ورزانة ومتانة في دينه . وأصل المرة : الشدّة ، من مراير الحبل ، وهو فتله فتلا شديدا ، أو : ذو حسن في منظره ،
فَاسْتَوى
: عطف على « علّمه » بطريق التفسير ، فإنه إلى قوله : ( ما أوحى ) بيان لكيفية التعليم ، أو : فاستقام على صورته التي خلقه اللّه عليها ، دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي ، وذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أحب أن يراه في الصورة التي خلقه اللّه عليها ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم بحراء ، فطلع له جبريل من المشرق ، وسدّ الأرض من المغرب ، وملأ الأفق ، فخرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فنزل في صورة الآدمي ، فضمه إلى نفسه ، وجعل يمسح الغبار عن وجهه . قيل : ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الأصلية إلا النّبى صلى اللّه عليه وسلم فإنه رآه فيها مرتين ؛ مرة في الأرض ، ومرة في السماء ، وقيل : استوى بقوته على ما جعل له [ من الأمر ] « 2 » .
هامش
( 1 ) في تفسير أبى السعود [ خصافة ] . ( 2 ) زيادة من تفسير أبى السعود .