تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
يقول الحق جل جلاله :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
أي : أخبروني عن هذه الأشياء التي تعبدونها من دون اللّه ، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها ربّ العزة في الآي السابقة حتى استحقت العبادة ، أم لا ؟ واللات وما بعدها : أصنام كانت لهم ، فاللات كانت لثقيف بالطائف ، وقيل : كانت بنخلة تعبدها قريش ، وهي فعلة ، من : لوى ؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ويطوفون بها . وقرأ ابن عباس ومجاهد ورويس بتشديد التاء ، على أنه اسم فاعل ، اشتهر به رجلا كان يلتّ السّويق بالزيت ، ويطعمه الحاجّ ، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه « 1 » . ( والعزى ) كانت لغطفان ، وهي شجرة كانوا يعبدونها ، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها ، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها ، واضعة يدها على رأسها ، وهو تولول ، فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها ، فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « تلك العزى ، لن تعبد بعد اليوم أبدا » « 2 » . ( ومناة ) : صخرة على ساحل البحر لهذيل وخزاعة ، وقيل : بيت بالمشلّل يعبده بنو كعب ، وسميت مناة ؛ لأن دماء النّسائك تمنى ، أي : تراق عندها ؛ لأنهم كانوا يذبحون عندها . وقرأ ابن كثير بالهمزة بعد الألف ، مشتق من النوء ؛ لأنهم كانوا يستمطرون بالأنواء عندها ، تبركا بها ، وقيل : سموا هذه الأصنام بأسماء اللّه ، وأنّثوها ، كأنها بنات اللّه في زعمهم الفاسد ، فاللات من « اللّه » ، كما قالوا : عمر وعمرة ، وعباس وعباسة ، فالتاء للتأنيث . والعزّى : تأنيث العزيز ، ومناة : تأنيث منان ، فغيّر تخفيفا ، ويؤيد هذا قوله تعالى ردا عليهم :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى
. و
الْأُخْرى
: صفة ذمّ لها ، وهي المتأخرة الوضيعة القدر ، كقوله :
قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ
« 3 » أي : وضعاؤهم لرؤسائهم ، وقيل : وصفها بالوصفين ؛ لأنهم كانوا يعظّمونها أكثر من اللات والعزى ، والفاء في قوله : ( أفرأيتم ) للعطف على محذوف ، وهي لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي : عقب ما سمعتم من كمال عظمته تعالى في ملكه وملكوته ، وأحكام قدرته ، ونفوذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى وما بينهما ، رأيتم هذه الأصنام مع حقارتها بنات اللّه ، مع وأدكم البنات ، وكراهتكم لهنّ ؟ .
هامش
( 1 ) أخرج البخاري المقطع الأول : « كان اللات رجلا يلت سويق الحاج » في ( التفسير ، سورة النّجم ، بابأَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىرقم 4859 ) . ( 2 ) عزاه المناوي في الفتح السماوي 3 / 907 لابن مردويه ، من حديث ابن عباس رضي اللّه عنه . ( 3 ) من الآية 38 من سورة الأعراف .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 505 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان