تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون ، لا حديث لهم إلا عليها ، ولا فكرة إلا فيها . يوم يدعّون إلى النار القطيعة والبعد ، دعّا ، لا خلاص منها ، ولا رجوع ، فتناديهم عزة الحق تعالى : هذه النّار التي كنتم بها تكذّبون ، وتقولون : لا يقطعنا عن اللّه شئ من الدنيا ، وترمون أهل التربية بالسحر ، أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون حقائق هذه المعاني ؟ أصلوا نار القطيعة ، فاصبروا على غم الحجاب ، أو لا تصبروا ، إذ لم تصبروا على مخالفة النفوس حين ينفعكم الصبر ، سواء عليكم أجزعتم أم صبرتم ، إنما تجزون ما كنتم تعملون في الدنيا ، من إيثار الهوى والحظوظ ، على مجاهدة النّفوس . ثم ذكر أضدادهم ، فقال :

[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 17 إلى 23 ]

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 18 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 19 ) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 20 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ( 21 ) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ
الشرك والمعاصي
فِي جَنَّاتٍ
عظيمة
وَنَعِيمٍ
أىّ نعيم ، فالتنكير للتفخيم ، أو : للتنوع ، أي : جنات مخصوصة بهم ، ونعيم مخصوص ،
فاكِهِينَ
؛ ناعمين متلذذين
بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ
؛ بما أتحفهم ،
وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
، عطف على « آتاهم » على أن « ما » مصدرية ، أي : فاكهين بإتيانهم وبوقايتهم ، أو : على « في جنات النّعيم » أي : استقروا في جنات ووقاهم ، أو : حال ، إما من المستكن في الخبر ، أو : من فاعل « آتى » ، أو : مفعوله بإضمار « قد » . وإظهار الرّب في موضع الإضمار مضافا إلى ضمير ( هم ) لتشريفهم ، ويقال لهم :
كُلُوا وَاشْرَبُوا
ما شئتم
هَنِيئاً
أي : أكلا وشربا هنيئا ، أو : طعاما وشرابا هنيئا ، لا تنغيص فيه بخوف انقطاعه أو فواته ،
بِما كُنْتُمْ
أي : عوض ما كنتم
تَعْمَلُونَ
في الدنيا من الخير ، أو جزاءه .
مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ
؛ مصطفة ، وهو حال من الضمير في « كلوا واشربوا » ،
وَزَوَّجْناهُمْ
أي : قرنّاهم
بِحُورٍ
؛ جمع حوراء
عِينٍ
: جمع عيناء ، أي : عظام الأعين حسانها . وفي الكشّاف : وإنما دخلت
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 488 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان