تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
الفريقين إلا ليوحّدون . وقال بعضهم : خلقهم ليفعلوا ، ففعل بعض وترك بعض . وليس فيه حجة لأهل القدر . ه . منه « 1 » . والمراد بأهل القدر : المعتزلة ، القائلون بأن اللّه تعالى لم يرد الكفر والمعاصي ، وهو باطل ، وسيأتي في الإشارة بقية تحقيق إن شاء اللّه .
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ
أي : ما خلقتهم ليرزقوا أنفسهم ، أو واحدا من عبادي ،
وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
، قال ثعلب : أن يطعموا عبادي ، وهو إضافة تخصيص ، كقوله عليه السّلام : « من أكرم مؤمنا فقد أكرمني ومن آذى مؤمنا فقد آذاني » « 2 » ، والحاصل : أنه تعالى بيّن أن شأنه مع عباده متعاليا عن أن يكون كشأن السادات مع عبيدهم ، حيث يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم ، وتهيئة أرزاقهم ، أي : ما أريد أن أصرفهم في تحصيل رزقي ولا رزقهم ، بل أتفضل عليهم برزقهم ، وبما يصلحهم ويعيشهم من عندي ، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي .
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ
أي : يرزق كلّ من يفتقر إلى الرّزق ، وفيه تلويح بأنه غنى عنه ،
ذُو الْقُوَّةِ
؛ ذو الاقتدار ،
الْمَتِينُ
أي : الشديد الصلب . وقرأ الأعمش « المتين » بالجر « 3 » ، نعت للقوة ، أي : ذو القوة المتينة ، وإنما ذكّره لتأول القوة بالاقتدار .
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا
أنفسهم ، بتعريضها للعذاب ، حيث كذّبوا الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم ، أو : وضعوا التكذيب مكان التصديق ، وهم أهل مكة ،
ذَنُوباً
أي : نصيبا وافرا من العذاب ،
مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ
؛ مثل عذاب نظائرهم من الأمم المحكية . قال الزجاج : الذنوب في اللغة : النصيب ، مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالذنوب ، وهو الدلو العظيم المملوء .
فَلا يَسْتَعْجِلُونِ
ذلك النّصيب ، فإنه لاحق بهم ، وهذا جواب النّضر وأصحابه حين استعجلوا العذاب .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
، وضع الموصول موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالكفر ، أي : فويل لهم
مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
، أي : من يوم القيامة ، أو يوم بدر ، والأول أنسب لما في صدر السورة الآتية . الإشارة : اعلم أن الحق - جل جلاله - إنما بعث الرّسل بإظهار الشرائع ، ليحوّشوا العباد إلى اللّه ، ويدعوهم إليه كافة ، ويأمروهم بالتبتل والانقطاع ، من غير التفات لمن سبق له السعادة أو الشقاء ؛ لأن ذلك من سر القدر ، وغيب المشيئة لا يجوز كشفه في حالة الدعوة ، فقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
هذا ما يمكن
هامش
( 1 ) ذكره البخاري في ( التفسير ، سورة « والذاريات » ) ( 2 ) أخرجه الديلمي ( مسند الفردوس ح 5806 ) والطبراني في الأوسط ( ح 8645 ) من حديث جابر رضي اللّه عنه بلفظ : « من أكرم أخاه المؤمن فإنما يكرم اللّه عز وجل » . وليس فيه الجزء الأخير . ( 3 ) انظر « المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات » لابن جنى ( 2 / 289 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 482 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان