تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
قال القشيري : ارجعوا إلى اللّه ، والإشارة إلى حالتين ، إما رغبة في شئ ، أو رهبة من شئ ، أو حالي خوف ورجاء ، أو طلب نفع أو دفع ضر ، وينبغي أن يفر من الجهل إلى العلم ، ومن الهوى إلى التقوى ، ومن الشك إلى اليقين ، ومن الشيطان إلى اللّه ، ومن فعله الذي هو بلاؤه إلى فعله الذي هو كفايته ، ومن وصفه الذي هو سخطه ، إلى وصفه الذي هو رحمته ، ومن نفسه ، حيث قال :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ *
« 1 » إلى نفسه ، حيث قال :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
. ه . ونقل الورتجبي عن الخراز « 2 » ، فقال : أظهر معنى الرّبوبية والوحدانية ، بأن خلق الأزواج « 3 » فتخلص له الفردانية ، فلما تبين أن أشكال الأشياء تواقع « 4 » علة الفناء ؛ دعا العباد إلى نفسه ؛ لأنه الباقي ، وغيره فان ، بقوله :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
أي : ففروا من وجودكم ، ومن الأشياء كلها ، إلى اللّه بنعت الشوق والمحبة والتجريد عما سواه . ه . ولمّا أمرهم بالفرار إليه ، أعلم أنه ما خلقهم إلا لذلك ، فقال :

[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 56 إلى 60 ]

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 ) يقول الحق جل جلاله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أي : إلا لنأمرهم بالعبادة والخضوع لربوبيتى ، لا لنستعين بهم على شأن من شئونى ، كما هي عادة السادات في كسب العبيد ، ليستعينوا بهم على أمر الرزق والمعاش ، ويدلّ على هذا التأويل : قوله تعالى
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ . . .
إلخ ، قال ابن المنير : إلا لأمرهم بعبادته ، لا لطلب رزق لأنفسهم ، ولا إطعام لي ، كما هو حال السادات من الخلق مع عبيدهم ، بل اللّه هو الذي يرزق ، وإنما على عباده العبادة له ؛ لأنهم مكلفون ، ابتلاء وامتحانا ، أما الإرادة فكما تعلقت بالعبادة تعلقت بما يخالفها ، لقوله :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
« 5 » . ه . وقيل المعنى : ما خلقهم إلا مستعدين للعبادة ، متمكنين منها أتم استعداد ، وأكمل تمكن ، فمنهم من أطاع ، ومنهم من كفر ، وهو كقولهم : البقر مخلوقة للحرث ، أي : قابلة لذلك ، وقد يكون فيها من لا يحرث . والحاصل : أنه لا يلزم من كون الشيء معدّا لشئ أن يقع منه جميع ذلك . أو : ما خلقتهم إلا ليتذللوا لي ، ولقدرتى ، وإن لم يكن ذلك على قواعد شرع ، وهذا عام في الكل ، طوعا أو كرها ؛ إذ كلّ ما خلق منقاد لقدرته وقهريته ، عابد له بهذا المعنى . وفي البخاري : وما خلقت أهل السعادة من
هامش
( 1 ) من الآية 28 من سورة آل عمران . ( 2 ) في الورتجبي : الحراز . ( 3 ) في الورتجبي : الأرواح . ( 4 ) في الورتجبي : مواضع . ( 5 ) من الآية 179 من سورة الأعراف .