تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠

[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 50 إلى 55 ]

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 51 ) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) يقول الحق جل جلاله :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي : إذا كان الأمر كما ذكر من شؤونه تعالى في إهلاك من تعدى الحدود ، ففروا إلى اللّه بالإيمان والطاعة ، كي تنجو من غضبه ، وتفوزوا بثوابه ، أو : ففروا من الكفر إلى الإيمان ، ومن المعصية إلى الطاعة ، أو : من طاعة الشيطان إلى طاعة الرّحمن ،
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
، تعليل للأمر بالفرار إليه تعالى ، فإنّ كونه صلّى اللّه عليه وسلم منذرا منه تعالى ، لا من تلقاء نفسه ، موجب للفرار ، وفيه وعد كريم بنجاتهم من المهروب ، وفوزهم بالمطلوب ،
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
هو نهى موجب للفرار من سبب العقاب ، بعد الأمر بالفرار من نفس العقاب ، كما يشعر به قوله تعالى :
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ
أي : من الجعل المنهي عنه
نَذِيرٌ مُبِينٌ
كأنه قيل : ففروا إلى اللّه من عقابه ، ومن سببه ، وهو جعلكم مع اللّه إلها آخر .
كَذلِكَ
أي : الأمر ما ذكر من تكذيبهم الرّسول ، وتسميتهم له ساحرا أو مجنونا ، ثم فسر ما أجمل بقوله
ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
؛ من قبل قومك
مِنْ رَسُولٍ
من رسل اللّه
إِلَّا قالُوا
في حقه : هو
ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
، فرموهم بالسحر والجنون ؛ لجهلهم ،
أَ تَواصَوْا بِهِ
، الضمير للقول ، أي : أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول ، حتى قالوه جميعا متفقين عليه ،
بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
أي : لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد ، بل جمعتهم العلة الواحدة ، وهي الطغيان ،
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
أي : أعرض عن الذين كرّرت عليهم الدعوة ، فلم يجيبوا عنادا ،
فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
؛ فلا لوم عليك في إعراضك بعد ما بلّغت الرّسالة ، وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة .
وَذَكِّرْ
؛ وعظ بالقرآن
فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
الذين قدّر اللّه سبحانه وتعالى إيمانهم ، أو آمنوا بالفعل ، فإنها تزيدهم بصيرة وقوة في اليقين والعلم . وباللّه التوفيق . الإشارة : الفرار إلى اللّه يكون من خمسة أشياء : من الكفر إلى الإيمان ، ومن المعصية إلى الطاعة بالتوبة ، ومن الغفلة إلى اليقظة بدوام الذكر ، ومن المقام مع العوائد والحظوظ إلى الزهد بالمجاهدة وخرق العوائد ، ومن شهود الحس إلى شهود المعنى ، وهو مقام الشهود . وفي القوت :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
الفرد ، ( ففروا إلى اللّه ) أي : من الأشكال والأضداد إلى الواحد الفرد . وفي البخاري : « معناه : من اللّه إليه » « 1 » .
هامش
( 1 ) ذكره البخاري في ( التفسير - سورة الذاريات ) .