تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
يقول الحق جل جلاله :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ
، استفتح بالاستفهام التشويقى ، تفخيما لشأن الحديث ، وتنبيها على أنه ليس مما علمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بغير طريق الوحي . والضيف في الأصل : مصدر : كالزور ، والصوع ، يصدق بالواحد والجماعة ، قيل : كانوا اثنى عشر ملكا ، وقيل : تسعة عاشرهم جبريل . وجعلهم ضيفا لأنهم في صورة الضيف ، حيث أضافهم إبراهيم ، أو لأنهم كانوا في حسبانه كذلك . وقوله
الْمُكْرَمِينَ
أي : عند اللّه ، لأنهم عباد مكرمون ، أو عند إبراهيم ، حيث خدمهم بنفسه ، وأخدمهم امرأته ، وعجّل لهم القرى .
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ
: ظرف للحديث ، أو لما في الضيف من معنى الفعل ، أو بالمكرمين ، إن فسر بإكرام إبراهيم لهم ،
فَقالُوا سَلاماً
أي : نسلّم عليك سلاما ،
قالَ
إبراهيم :
سَلامٌ
أي : عليكم سلام . عدل به إلى الرّفع بالابتداء للقصد إلى الثبوت والدوام حتى تكون تحيته عليه السّلام أحسن من تحيتهم ، وهذا أيضا من إكرامه ،
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
أي : أنتم قوم منكرون ، لا نعرفكم ، فعرّفونى من أنتم . قيل : إنما أنكرهم لأنهم ليسوا ممن عهدهم من النّاس ، أو : لأن أوضاعهم وأشكالهم خلاف ما عليه النّاس ، وقيل : إنما قال ذلك سرا ولم يخاطبهم به ، وإلا لعرّفوه بأنفسهم .
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ
أي : ذهب إليهم في خفية من ضيوفه ، فالروغان : الذهاب بسرعة ، وقيل : في خفية . ومن آداب المضيف أن يبادر الضيف : بالقرى ، وأن يخفى أمره من غير أن يشعر به الضيف ، حذرا من أن يكفّه ، وكان عامة مال إبراهيم البقر .
فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
، الفاء فصيحة تفصح عن جمل حذفت لدلالة الحال عليها ، وإيذانا بكمال سرعة المجيء ، أي : فذبح عجلا فحنذه « 1 » ، فجاء به ،
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ
، بأن وضعه بين أيديهم ، حسبما هو المعتاد ، فلم يأكلوا ، ف
قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
، أنكر عليهم ترك الأكل ، أو : حثّهم عليه ،
فَأَوْجَسَ
؛ أضمر
مِنْهُمْ خِيفَةً
؛ خوفا ، لتوهم أنهم جاءوا للشر ؛ لأن من لم يأكل طعامك لم يحفظ ذمامك . عن ابن عباس رضي اللّه عنه : وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب ،
قالُوا لا تَخَفْ
إنّا رسل اللّه . قيل : مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه « 2 » ، فعرفهم وأمن منهم ،
وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ
أي : يبلغ ويكون عالما ، وهو إسحاق عليه السّلام .
هامش
( 1 ) أي : شواه ، انظر اللسان ( حنذ 2 / 1021 ) . ( 2 ) رواه عون بن أبي شداد ، فيما ذكره القرطبي ( 7 / 6402 ) .