تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ
من نفى البعث وتكذيب الآيات ، وغير ذلك مما لا خير فيه ، وهو تهديد لهم ، وتسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ،
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ
أي : ما أنت بمسلط عليهم ، إنما أنت داع ، كقوله :
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
« 1 » من : جبره على الأمر : قهره ، أي : ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان ، وهذا قبل الأمر بالقتال ،
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
، لأنه هو الذي يتأثر بالوعظ ، كقوله :
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
« 2 » وأما من عداهم ، فنحن نفعل بهم ما توجبه أقوالهم ، وتستدعيه أعمالهم من أنواع العقاب وفنون العذاب . الإشارة : فاصبر أيها المتوجّه على ما تسمع من الأذى ، وغب عن ذلك بذكر ربك قبل طلوع شمس البسط ، وقبل غروبها ، أي : اشتغل باللّه في القبض والبسط ، أو : قبل طلوع شمس المعرفة ، في حال السير ، وقبل الغروب حين تطلع ، ومن ليل القبض أو القطيعة فسبّح حتى يطلع نهار البسط أو المعرفة ، وأدبار السجود ، أي : عقب سجود القلب في الحضرة ، فلا يرفع رأسه أبدا ، واستمع يوم يناد المنادى ، وهي الهواتف الغيبية ، والواردات الإلهية ، والإلهامات الصادقة ، من مكان قريب ، هو القلب ، يوم يسمعون الصيحة ، أي : تسمع النّفوس صيحة الداعي إلى الحق بالحق ، فتجيب وتخصع إن سبقت لها العناية ، ذلك يوم الخروج ، خروج العوائد والشهوات من القلب ، فتحيى الروح ، وتبعث بعد موتها بالغفلة والجهل ، بإذن اللّه ، إنا نحن نحيى نفوسا بمعرفتنا ، ونميت نفوسا بقهريتنا ، وإلينا المصير ، أي : الرجوع إنما هو إلينا ، فمن رجع إلينا اختيارا أكرمناه ونعّمناه ، وفي حضرة القدس أسكناه ، ومن رجع قهرا بالموت عاتبناه أو سامحناه ، وفي مقام البعد أقمناه . يوم تشقق الأرض عنهم : أرض الحشر في حق العامة ، وأرض الوجود في حق الخاصة ، أي : يذهب حس الكائنات ، وتضمحل الرّسوم ، وتبدل الأرض والسماوات ، ذلك حشر علينا يسير ، أي : جمعكم إلينا ، بإفناء وجودكم ، وإبقائكم بوجودنا ، يسير على قدرتنا ، وجذب عنايتنا . ويقال لكلّ داع إلى اللّه ، في كلّ زمان ، حين يدبر النّاس عنه ، وينالون منه : نحن أعلم بما يقولون ، وما أنت عليهم بجبّار ، إنما أنت داع : خليفة الرّسول ، فذكّر بالقرآن ، وادع إلى اللّه من يخاف وعيد ؛ إذ هو الذي يتأثر بالوعظ والتذكير ، وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه ، وسلم ، * * *
هامش
( 1 ) الآية 22 من سورة الغاشية . ( 2 ) الآية 45 من سورة النّازعات .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 462 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان