تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
ودخلت الفاء للتسبب عن قوله : ( هم أشد منهم بطشا ) أي : شدة بطشهم ، أي : قدرتهم على التنقيب في البلاد ، ويجوز أن يعود الضمير إلى أهل مكة ، أي : ساروا في أسفارهم ومسايرهم في بلد القرون ، فهل رأوا لهم محيصا حتى يؤملوا مثله أنفسهم ؟ ويؤيده قراءة من قرأ ( فنقّبوا ) على صيغة الأمر .
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي : فيما ذكر من قصصهم ، أو : فيما ذكر في السورة
لَذِكْرى
؛ لتذكرة وعظة
لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
سليم واع يدرك كنه ما يشاهده من الأمور ، ويتفكر فيها ، ليعلم أن مدار دمارهم هو الكفر ، فيرتدع عنه بمجرد مشاهدة الآثار من غير تذكير ،
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
أي : أصغى بقلبه إلى ما يتلى عليه من الوحي النّاطق بما جرى عليهم ، فإن من فعله يقف على كنه الأمر ، فينزجر عما يؤدى إليه من الكفر والمعاصي ، يقال : ألق إلىّ سمعك ، أي : استمع ، ف « أو » لمنع الخلو ، لا لمنع الجمع ، فإن إلقاء السمع لا يجدى بدون سلامة القلب عما ذكر من الصفات ، للإيذان بأن من عرى قلبه عنهما كمن لا قلب له أصلا : وقوله تعالى :
وَهُوَ شَهِيدٌ
: حال ، أي : والحال أنه حاضر القلب لا يغفل أو : شاهد على ما يقرأ من كتاب اللّه .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما
من أصناف المخلوقات ، وهذا أيضا احتجاج على القدرة على البعث بما هو أكبر ، كقوله :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
« 1 » وقوله تعالى :
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
إنما خلقها في تلك المدة تعليما لخلقه التؤدة ، وإلا فهو قادر على أن يخلقها في لمحة ،
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
« 2 » ، ويحتمل أن هذا في عالم الأمر ، وأما عالم الخلق فاقتضت الحكمة خلقه بالتدريج ، وله الخلق والأمر ، ثم قال تعالى :
وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
؛ من إعياء ولا تعب في الجملة ، وهذا رد على جهلة اليهود ، أنه تعالى بدأ العالم يوم الأحد ، وفرغ منه يوم الجمعة ، واستراح يوم السبت ، واستلقى على العرش « 3 » ، تعالى عما يقولون علوا كبيرا . الإشارة : كثيرا ما أهلك اللّه من النّفوس المتمردة في القرون الماضية ، زجرا لمن يأتي بعدهم ، ففي ذلك ذكرى لمن كان له قلب سليم من تعلقات الكونين . قال القشيري : فالقلوب أربعة ؛ قلب فاسد ؛ وهو الكافر ، وقلب مقفول ، وهو قلب المنافق ، وقلب مطمئن ، وهو قلب المؤمن ، وقلب سليم ، وهو قلب المحبين والمحبوبين ، الذين هو مرآة صفات جمال اللّه وجلاله ، كما قال تعالى : « لا يسعني أرضى ولا سمائي ، ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 4 » . ه .
هامش
( 1 ) الآية 57 من سورة غافر . ( 2 ) الآية 50 من سورة القمر . ( 3 ) نزول الآية ردّا على اليهود ، أخرجه الطبري ( 26 / 178 ) والواحدي في الأسباب ( ص 413 ) . ( 4 ) سبق .