تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
نهاية ذلك اليوم هو يوم الخلود ، الذي لا انتهاء له ،
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها
من فنون المطالب ومنتهى الرّغائب
وَلَدَيْنا مَزِيدٌ
هو النّظر إلى وجهه الكريم ، على قدر حضورهم اليوم ، أو : هو ما لا يخطر ببالهم ، ولا يندرج تحت مشيئتهم من الكرامات ، التي لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وقيل : إن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور ، فتقول ، نحن المزيد الذي قال تعالى :
وَلَدَيْنا مَزِيدٌ
قلت : مزيد كلّ واحد على قدر همته وشهوته . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : يوم يقول لجهنم : هل امتلأت ؟ وتقول : هل من مزيد ، كذلك النّفس ، نار شهواتها مشتعلة كلما أعطيتها شيئا من حظوظها طلبت المزيد ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب اللّه على من تاب ، وفي الحديث : « اثنان لا يشبعان ، طالب الدنيا وطالب علم ، طالب الدنيا يزداد من اللّه بعدا ، وطالب العلم يزداد من اللّه رضا وقربا » أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » . واعلم أن الرّوح إذا عشقت شيئا فإن كان من الدنيا يسمى حرصا ، وإن كان في جانب الحق سمى محبة وشوقا ، وفي الحقيقة ما هي إلا محبة واحدة ، إلا أنها لما تاهت انقلبت محبتها للفروقات الحسية ، وغابت عن المعاني الأزلية ، وكلما زاد في الحرص نقص من المحبة ، وما نقص من الحرص زاد في المحبة . ويقال : كلما زادت محبة الحس نقصت المعنى ، وبالعكس ، وإذا اشتعلت نار المحبة فلا تسكن بما يلقى فيها من الأمور الحسية ، كانت حظوظا أو حقوقا ، بل كلما ألقى فيها تقول : هل من مزيد ، حتى يضع الجبار قدمه ، وهو قذف نور معرفته في القلب ، فحينئذ يحصل الفناء وتقول : قط قط . ثم أخبر عن حال المؤمنين بقوله : ( وأزلفت الجنة للمتقين ) أي : قربت جنة المعارف إلى قلوب خواص المتقين ، الذين اتقوا ما سوى اللّه ، فقربت منهم ، ودخلوها في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قربت إليهم الجنة الحسية في المحشر ، فيركبون في قصورها وغرفها ، وتطير بهم إلى الجنة ، فلا يحسون بالصراط ولا بالنار ، وفيهم قال تعالى :
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها
الآية « 2 » . والنّاس على ثلاثة أصناف ؛ قوم يحشرون إلى الجنة مشاة ، وهم الذين قال اللّه فيهم :
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً
« 3 » وهم عوام المؤمنين ، وقوم يحشرون إلى الجنة ركبانا
هامش
( 1 ) أخرجه الدارمي في ( المقدمة ، باب في فضل العلم والعالم ، ح 332 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه . ولفظه : « منهومان لا يشبعان : صاحب العلم وصاحب الدنيا ، ولا يستويان ، أما صاحب العلم فيزداد رضي الرّحمن ، وأما صاحب الدنيا ، فيتمادى في الطغيان ، ثم قرأ عبد اللّه .كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنىقال : وقال الآخر :إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ. وسند الحديث فيه انقطاع . انظر المشكاة ( 1 / 87 ) . ( 2 ) الآية 102 من سورة الأنبياء . ( 3 ) الآية 73 من سورة الزمر .