تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
في دار الكسب على ألسنة رسلي ، فلا تطمعوا في الخلاص منه بما أنتم فيه من التعلل بالمعاذير الباطلة . والجملة فيها تعليل للنهي ، على معنى : لا تختصموا وقد صح عندكم أنى قدمت إليكم بالوعيد حيث قلت : « لأملأن جهنم . . » إلخ ، فاتبعتموه معرضين عن الحق ، فلا وجه للاختصام في هذا الوقت . والباء إما مزيدة كما في قوله :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
« 1 » أو معدية على أن « قدّم » مضارع تقدم .
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
أي : لا تطمعوا أن يبدل قولي ووعيدي بإدخال الكفار في النار ،
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
فلا أعذب عبدا بغير ذنب من قبله ، بل بما صدر منه من الجنايات ، حسبما أشير إليه آنفا . والتعبير عنه بالظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة ، فضلا عن كونه ظلما مفرطا لتأكيد هذا المعنى ، بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في معرض المبالغة في الظلم ، وقيل : هو لرعاية جمعية العبيد ، من قولهم : فلان ظالم لعبده وظلّام لعبيده ، وقيل : ظلّام بمعنى : ذي ظلم ، كلبّان لذي اللبن . والله تعالى أعلم . الإشارة : قرين الإنسان نفسه الأمّارة وروحه المطمئنة ، فإذا غلبت النفس على الروح وصرّفت صاحبها في الهوى ، تقول يوم القيامة : هذا ما لدىّ عتيد ، مهيأ للعتاب ، فيقال لهما : ألقيا في نار القطيعة كلّ كفّار للنعم ، جحود لوجود الطبيب ، منّاع للخير ، فلم يصرفه فيما يخلصه من نفسه ، معتد على اللّه بتكبره ، وعدم حط رأسه للداعي إلى اللّه ، مريب ، قد لعبت به الشكوك والأوهام والخواطر ، أو : شاك في وجود الطبيب ، الذي جعل مع اللّه إلها آخر ، يحبه ويخضع له ، من الهوى والدنيا ، وكلّ ما أشركه مع اللّه في المحبة ، فألقياه في العذاب الشديد : الحجب عن اللّه ، وعدم اللحوق بأولياء اللّه ، أو العذاب الحسى . قال قرينه - روحه التي كانت سماوية ، فصيرها أرضية ، بمتابعة هواه : ربنا ما أطغيته ، فإنه ليس الإغواء والإطغاء من شأني ، ولكن كان في ضلال بعيد ، حيث أطاع نفسه وهواه ، ورماني في مزابل الشهوات والغفلة ، قال تعالى : ( لا تختصموا لدىّ ) اليوم ، قد قدمت إليكم بالوعيد ، حيث قلت :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
« 2 »
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
« 3 » وقلت في شأن من جاهد نفسه ، وردها لأصلها :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
« 4 » الآية ،
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
فإني وعدت أهل المجاهدة بالوصول إلى حضرتي ، والتنعم برؤيتى بقولي :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا . . .
« 5 » الآية ، وأهل الغفلة بالحجاب ، بقولي :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
« 6 » ، وما ظلمت أحدا قط ، لأن الظلم ليس من شأني ، ولا يليق بملكي .
هامش
( 1 ) من الآية 195 من سورة البقرة . ( 2 ) من الآية 53 من سورة يوسف . ( 3 ) الآيتان 9 - 10 من سورة الشمس . ( 4 ) من الآية 27 من سورة الفجر . ( 5 ) الآية 69 من سورة العنكبوت . ( 6 ) الآيتان 14 - 15 من سورة المطففين .